إشعال العداوه

 

وهذا هدف من أهداف الشيطان الخبيثة ، يسلك إليه كل طريق ويستخدم له كل وسيلة ، ومن هذه الوسائل الخمر فإنها تزيل العقل ، وتفقد التوازن ، وعندئذ يتمكن الشيطان من الإنسان فيقوده إلى ما يريد ، فقد روى البيهقي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال :

اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث ، إنه كان رجل فيمن كان قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فعلقته امرأة غوية ، فأرسلت إليه جاريتها أن تدعوه لشهادة ، فدخل معها ، فطفقت كلما دخل بابًا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر ، فقالت : إني والله ما دعوتك لشهادة ولكن دعوتك لتقع علي ، أو تقتل هذا الغلام ، أو تشرب الخمر . فسقته كأسًا فقال : زيدوني فلم يرم حتى وقع بها وقتل النفس . ( تفسير ابن كثير ) .

ومن هذه الوسائل أيضًا الميسر ( القمار ) لأنها توقع العداوة بين الناس وتورث الحقد في النفوس ، ومنها الأنصاب التي تعبد من دون الله وهي وسيلة كبرى لتسلط الشيطان على الإنسان فيلعب به كما يلعب الصبيان بالكرة .

ومن هذه الوسائل أيضًا الأزلام ، أي القداح التي كان يستقسم بها الكفار في الجاهلية ، وهي تساوي في زماننا هذا ما يسمونه ( الحظ ) ، وكذا ( الاستفتاح ) ، وهي فتح المصحف ثم النظر فيه فالآية التي يقع عليها نظره يظن أنها حظه .

وهذا كله من عمل الشيطان ولذلك حذرنا الله منه بقوله :

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ " (91) سورة المائدة .

ومن تلك الوسائل أيضًا : الكلمة فإنها أحيانًا تحمل على غير معناها فتوقع العداوة والبغضاء ، ولذلك أمرنا الله بالقول الحسن فقال سبحانه وتعالى :

" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا (53) " سورة الإسراء .

قال سيد قطب رحمه الله : " وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " على وجه الإطلاق وفي كل مجال ، فيختاروا أحسن ما يقال ليقولوه ، بذلك يتقون أن يفسد الشيطان ما بينهم من مودة ، فالشيطان ينزغ بين الأخوة بالكلمة الخشنة تفلت ، وبالرد السيئ يتلوها ، فإذا روح الود والمحبة والوفاق يشوبها الخلاف ثم الجفوة ثم العداء .

والكلمة الطيبة تأسو جراح القلوب تندي جفافها وتجمعها على الود الكريم . ( الظلال ) .

وإذا انتقل بنا الحديث إلى الآداب النبوية وجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسد كل ثغرة يدخل منها الشيطان .

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان أن ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار " . رواه البخاري ومسلم .

وقال - صلى الله عليه وسلم - : " اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة " . متفق عليه من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه .

وهذا كله إنما هو لسد باب عظيم من أبواب الشيطان الرجيم ، ألا وهو التحريش بين المسلمين ، وإشعال نار الفتنة بينهم .

فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم " . رواه مسلم .