تحزين المؤمن

ومن مكائده أعاذنا الله منه أنه يري الإنسان في منامه أحلامًا مزعجة كي يحزنه ويؤلمه ؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال : جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على إثره ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي : " لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك " .

وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا : " الرؤيا ثلاثة : فالرؤيا الصالحة بشرى من الله ، ورؤيا تحزين من الشيطان ، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه ، فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس " .

وفي الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " الرؤيا الصالحة من الله ، والحُلُم من الشيطان . فمن رأى شيئًا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثًا ، وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره " .

وبجمع طرق هذا الحديث يتبين أن للرؤيا آدابًا يستحب للمسلم اتباعها :

إذا كانت الرؤيا صالحة : يحمد الله ويستبشر بها ويتحدث بها لمن يحب دون من يكره .

وإذا كانت الرؤيا مكروهة : يتعوذ بالله من شرها ، ومن شر الشيطان ، وأن يتفل عن يساره ثلاثًا ، ولا يذكرها لأحد ، ويتحول عن جنبه ويقوم فيصلي .

قال الحافظ : وقد ذكر العلماء حكمة هذه الأمور ، فأما الاستعاذة بالله من شرها فواضح وهي مشروعة عند كل أمر يكره ، وأما الاستعاذة من الشيطان فلما وقع في بعض طرق الحديث أنها منه وأنه يخيل بها لقصد تحزين الآدمي والتهويل عليه .

وأما التفل فقال عياض : أمر به طردا للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة تحقيرًا له واستهزاء ، وخصب بها اليسار لأنها محل الأقذار ونحوها ، وأما التحول فللتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها ، وأما الصلاة فلما فيها من التوجه إلى الله واللجوء إليه . مختصرًا ( فتح الباري ) .

 أما صفة الاستعاذة فقد قال إبراهيم النخعي : ( إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليقل إذا استيقظ أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي هذه أن يصيبني منه ما أكره في ديني ودنياي ) قال الحافظ : أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الرازق بأسانيد صحيحة .

قال النووي : وأما قوله فإنها لا تضره معناه أن الله تعالى جعل هذا سببًا لسلامته من مكروه يترتب عليها كما جعل الصدقة وقاية للمال وسببًا لدفع البلاء . ( شرح مسلم ) .