هل يجوز الذبح للجن؟

اتفق العلماء على أن الذبح للجن محرم ، بل هو شرك ؛ لأنه ذبح لغير الله ، فلا يجوز لمسلم أن يأكل منه فضلاً عن أن يفعله ، ومع ذلك فإن الجهال في كل زمان ومكان يقومون بهذا الفعل الخبيث . فهذا يحيى بن يحيى يقول : قال لي وهب : استنبط بعض الخلفاء عينًا وأراد إجراءها ، وذبح للجن عليها ؛ لئلا يغوروا ماءها ، فأطعم ذلك ناسًا ، فبلغ ذلك ابن شهاب ، فقال : أما إنه قد ذبح ما لم يحل له ، وأطعم الناس ما لا يحل لهم ، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل ما ذبح للجن . ( أكام المرجان ) .

قلت : وابن شهاب هذا هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الإمام الحافظ الفقيه العالم شيخ الإمام مالك .

 وقال العلامة القاضي الشبلي :

ونقلت عن خط العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الحنبلي ( ابن القيم ) قال : وقد وقعت هذه الواقعة بعينها في مكة سنة إجراء العين بها . فأخبرني إمام الحنابلة بمكة ، وهو الذي تم إجراؤها على يده ، وتولى مباشرتها بنفسه خليفة بن محمود الكيلاني قال : لما وصل الحفر إلى موضع ذكره ، خرج أحد الحفارين من تحت الحفر مصرعًا لا يتكلم فمكث كذلك طويلاً ، فسمعناه يقول : يا مسلمين ألا يحل لكم أن تظلمونا ؟ قلت أنا له : وبأي شيء ظلمناكم ؟ قال : نحن سكان هذه الأرض ، ولا والله ما فيهم مسلم غيري ، وقد أرسلوني إليكم يقولون : لا ندعكم تمرون بهذا الماء في أرضنا حتى تبذلوا لنا حقنا ، قلت : ما حقكم ؟ قال : تأخذون ثورًا فتزينونه بأعظم زينة وتلبسونه وتزفونه من داخل مكة حتى تنتهوا به إلى هنا ، فاذبحوه ثم اطرحوا لنا دمه وأطرافه ورأسه في بئر عبد الصمد وشأنكم باقيه ، وإلا فلا ندع الماء يجري في الأرض أبدًا ، قلت : نعم أفعل ، قال : وإذا بالرجل قد أفاق يمسح وجهه وعينه ويقول : لا إله إلا الله أين أنا .

قال : وقام الرجل ليس به قلبه فذهبت إلى بيتي فلما أصبحت ونزلت أريد المسجد إذا برجل على الباب لا أعرفه فقال : الحاج خليفة هنا ؟ قلت : وما تريد به قال : حاجة أقولها له قلت : قل لي الحاجة وأنا أبلغه فإنه مشغول قال لي : قل له إني رأيت البارحة في النوم ثورًا عظيمًا قد زينوه بأنواع الحلي واللباس ، وجاءوا به يزفونه حتى مروا به على دار خليفة فوقفوا إلى أن خرج ورآه ، وقال : نعم هذا هو ثم أقبل به يسوقه والناس خلفه يزفونه حتى خرج به من مكة فذبحوه وألقوا رأسه وأطرافه في بئر .

قال : فعجبت من منامه وحكيت الواقعة والمنام لأهل مكة وكبرائهم ، فاشتروا ثورًا وزينوه وألبسوه وخرجنا به حتى انتهينا إلى موضع الحفر ، فذبحناه وألقينا رأسه وأطرافه ودمه في البئر التي سماها ، قال : ولما وصلنا إلى ذلك الموضع كان الماء يغور فلا يدري أين يذهب أصلاً ولا ندري له عينًا ولا أصلاً . قال : فما هو إلا أن طرحنا ذلك في البئر قال : وكأني بمن أخذ بيدي وأوقفني على مكان ، وقال احفروا هنا ، قال : فحفرنا وإذا بالماء يموج في الموضع ، وإذا طريقه منقورة في الجبل يمر تحتها الفارس بفرسه ، فأصلحناها ونظفناها ، فجرى الماء فيها تسمع هديره ، فلم يكن إلا نحو أربعة أيام وإذا بالماء بمكة وأخبرنا من حول البئر أنهم لم يكونوا يعرفون في البئر ماءً .

قال العلامة شمس الدين : وهذا نظير عادتهم قبل الإسلام من تزيين جارية حسناء وإلباسهم أحسن ثيابها وإلقائها في النيل حتى يطلع ثم قطع تلك السُّنة الجاهلية على يد من أخاف الجن وقمعها عمر رضي الله عنه ، وهكذا هذه العين وأمثالها لو حفرها رجل عمري يفرق منه الشيطان ، لجرت على رغمهم ولم يذبح لم عصفورًا فما فوقه ، ولكن لكل زمان رجال . قال : وهذا الرجل الذي أخبرني بهذه الحكاية كنت نزيله وجاره وخبرته فرأيته من أصدق الناس وأدينهم وأعظمهم أمانة ، وأهل البلد كلمتهم واحدة على صدقه ودينه وشاهدوا هذه الواقعة بعيونهم .( آكام المرجان ) .

قلت : ومازال الذبح للجن حتى الآن يقوم به الكهنة والسحرة الذي يتصلون بالجن ، فمن ذلك أننا نرى الجهال يذهبون إلى هؤلاء السحرة ليحلوا سحرًا أو يعالجوا مصروعًا أو ما شابه ذلك ، فيطلبون منهم حيوانات بأوصاف معينة ، ثم يذبحونها ويلطخون المريض بدمها ، ثم يأمرون برميها في بئر وأن لا يذكر اسم الله عليه أثناء الرمي ، وهذا هو الذبح للجن المنهي عنه وإن لم يتلفظ الذابح باسم الجن ، وإنما الأعمال بالنيات .

والذابح لغير الله ملعون ؛ ففي صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لعن الله من ذبح لغير الله " .