هل يأكلون ويشربون

 

إن الأحاديث الصحيحة صريحة في أن الجن يأكلون ويشربون ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يحمل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إداوة لوضوئه وحاجته بينما هو يتبعه به فقال : من هذا ؟ فقال : أنا أبو هريرة . فقال : " ابغني أحجارًا أستنفض بها ، ولا تأتني بعظم ولا بروثة " .

فأتيته بأحجار أحملها في ثوبي حتى وضعت إلى جنبه ، ثم انصرفت ، حتى إذا فرغ مشيت معه فقلت : ما بال العظم والروثة ؟ قال : " هما من طعام الجن ، وأنه أتاني وفد من جن نصيبين - ونعم الجن - فسألوني الزاد ، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعمًا " . رواه البخاري .

وعبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه ، وإذا شرب فليشرب بيمينه ؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله " . رواه مسلم .

وروى مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال : كنا إذا حضرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - طعامًا لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيضع يده . وإنا حضرنا معه مرة طعامًا فجاءت جارية كأنها تدفع ، فذهبت لتضع يدها في الطعام ، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدها ، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : " إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه ، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها ، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده والذي نفسي إن يده في يدي مع يدها " . رواه مسلم .

وزاد مسلم في رواية " ثم ذكر اسم الله وأكل " .

وفي صحيح مسلم أيضًا عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إذا دخل الرجل بيته فذكر اسم الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان : لا مبيت لكم ولا عشاء ، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان : أدركتم المبيت ، وإذا لم يذكر الله عن طعامه قال : أدركتم المبيت والعشاء " .

وقوله قال الشيطان : أي لإخوانه من الشياطين .

وقد اختلف في أكل الجن وشربهم على ثلاثة أقوال :

الأول : أن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون ، وهذا قول باطل لا دليل عليه .

الثاني : أن صنفًا منهم يأكلون ويشربون ، وصنفًا لا يأكلون ولا يشربون ، وهؤلاء استدلوا بما رواه ابن عبد البر عن وهب بن منبه قال : الجن أصناف فخالصهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون ، وجنس منهم يقع منهم ذلك ، ومنهم السعالي والغول والقطرب .

واستدلوا أيضًا بحديث أبي ثعلبة الخشني وقد ورد في أنواع الجن . قلت : وهذا محتمل .

الثالث : أن جميعهم يأكلون ويشربون . قلت : وهذا أكثر احتمالاً من الذي قبله ؛ بل هذا الذي تدل عليه وتؤيده الأحاديث التي مرت معنا فالله أعلم .

أما حديث ابن مسعود فقد رواه مسلم بلفظ : " لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا " . ورواه أبو داود وغيره بلفظ : " كل عظم لم يذكر اسم الله عليه " .

فإن لم يكن الحديث انقلب على الراوي ، فيمكن الجمع بأن رواية مسلم خاصة بالجن المسلمين ورواية أبي داود خاصة في حق الشياطين ، والله تعالى أعلم بالصواب .