الرباء

 

إن الرياء باب فسيح من الأبواب التي يلج الشيطان منها إلى قلب الإنسان ، ولذلك يجب على المسلم الذي يريد الله والدار الآخرة أن يمحص في قلبه فإن وجد فيه التفاتًا لغير الله سارع بعلاجه ، وأن يفتش في أعماله فإن وجد فيها شبهة من رياء طهرها ، ولما كان الرياء هو التفات القلب لغير الله وترك مراعاة الخالق مع مراعاة المخلوقين سُمي شركًا أصغر . ( صححه الألباني في صحيح الترغيب ) .

فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : " الرياء " يقول الله عز وجل إذا جزى الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء " . رواه أحمد وصححه الألباني .

وأنواع الرياء كثيرة ، فمن الناس من يرائي بعلمه ، ومنهم من يرائي بعبادته ، وكذلك من يرائي بصدقته ، ومثال ذلك ما رواه مسلم والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمته فعرفها ، قال : ما علمت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت ، قال : كذبت ، ولكنك قاتلت ؛ لأن يقول هو جرئ فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمته فعرفها ، قال : فما فعلت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن ، قال : كذبت ، ولكنك تعلمت ليقال عالم ، وقرأت ليقال هو قارئ ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى به ، فعرفه نعمه فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، قال : كذبت ، ولكنك فعلت ليقال هو جواد ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار " .

وعن أبي هند الداري رضي الله عنه أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من قام مقام رياء وسمعة رايا الله به يوم القيامة وسمع " . قال الحافظ المنذري رواه أحمد بإسناد جيد .

وفي الصحيحين من حديث جندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من سمع سمع الله به ، ومن يراء يراء الله به " .

ولذلك كان السلف الصالح رضي الله عنهم يخفون طاعتهم كما يخفي الناس معاصيهم وعيوبهم .

واعلم أن الدافع على الرياء هو الطمع في مدح الناس وخوف مذمتهم ، ويمكن التخلص من الرياء بالأمور الآتية :

1 - أن تعلم أن مدح الناس لا ينفعك إن كنت عند الله مذمومًا ، وذمهم لا يضرك إن كنت عند الله محمودًا .

2 - أن تعلم أن المخلوق الضعيف الذي تطلب مدحه لا يملك لك ضرًّا ولا نفعًا خاصة يوم فقرك الأكبر وحاجتك العظمى .

3 - أن تعلم أن الرياء يحبط العمل وربما حوله إلى كفة السيئات .

4 - إن كنت تخشى اطلاع الناس على خبث باطنك وسواد قلبك في الدنيا فالله تعالى مطلع على ذلك وسيفضحك يوم القيامة أمام الجمع الأكبر وعلى رءوس الأشهاد .

5 - إذا خطر عليك خاطر من الرياء فلتقم بمدافعته والتخلص منه ثم الالتفات إلى الله بقلبك .

واعلم أن الشيطان يدعوك أولاً لترك العمل ، فإن عجز دعاك إلى الرياء فيه ، فإن وجد منك إخلاصًا قال لك : هذا العمل ليس خالصًا وأنت مراءٍ وتعبك ضائع ؛ حتى يحملك على ترك العمل فانتبه - حفظك الله - ولا تطع الشيطان فإنه عدو مضل مبين .

يقول الغزالي - رحمه الله - : والمتخلصون عن الرياء في دفع خواطر الرياء على أربع مراتب :

الأولى : أن يرد على الشيطان ويكذبه ولا يقتصر عليه بل يشتغل بمجادلته ويطيل الجدال معه لظنه أن ذلك أسلم لقلبه وهو على التحقق نقصان ؛ لأنه اشتغل عن مناجاة الله وعن الخير الذي هو بصدده وانصرف إلى قتال قطاع الطريق ، والتعريج على قتال قطاع الطريق نقصان في السلوك .

الثانية : أن يعرف أن الجدال والقتال نقصان في السلوك فيقتصر على تكذيبه ودفعه ولا يشتغل بمجادلته .

الثالثة : ألا يشتغل بتكذيبه أيضًا ؛ لأن ذلك وقفة وإن قلت ، بل يكون قد قرر في عقد ضميره كراهة الرياء وكذب الشيطان فيستمر على ما كان عليه مستصحبًا للكراهية غير مشتغل بالتكذيب ولا بالمخاصمة .

الرابعة : أن يكون قد علم أن الشيطان سيحسده على أنه كلما نزغ الشيطان زاد هو في الإخلاص والاشتغال بالله وإخفاء الصدقة والعبادة غيظًا للشيطان .

يروى عن الفضيل بن غزوان أنه قيل له : إن فلانًا يذكرك - أي بسوء - فقال : والله لأغيظن من أمره . قيل ومن أمره ؟ قال الشيطان . ثم قال : اللهم اغفر له .

وإذا عرف الشيطان من عبد هذه العادة كف عنه خيفة أن يزيد في حسناته .

قال : وضرب الحارث المحاسبي لهذه الأربعة مثالاً أحسن فيه فقال : مثالهم كأربعة قصدوا مجلسًا من العلم والحديث لينالوا به فائدة وفضلاً وهداية ورشدًا ، فحسدهم على ذلك ضال مبتدع وخاف أن يعرفوا الحق ، فتقدم إلى واحد فمنعه وصرفه عن ذلك ودعاه إلى مجلس ضلال فأبى ، فلما عرف إباءه شغله بالمجادلة فاشتغل معه ليرد ضلاله ، وهو يظن أن ذلك مصلحة له ، وهو غرض الضال ليفوت عليه بقدر تأخره .

فلما مر الثاني عليه نهاه واستوقفه ، فوقف فدفع في نحر الضال ولم يشتغل بالقتال واستعجل ففرح منه الضال بقدر توقفه للدفع . ومر به الثالث فلم يلتفت إليه ولم يشتغل بدفعه ولا بقتاله بل استمر على ما كان ، فخاب منه رجاؤه بالكلية . ومر الرابع فلم يتوقف وأراد أن يغيظه فترك التأني وأسرع في المشي ، فيوشك إن عادوا ومروا عليه مرة أخرى أن يعاود الجميع إلا الأخير . ( الإحياء ) .

ولهذا كان كثير من السلف إذا ألهاهم الشيطان عن طاعة فعلوها مضاعفة غيظًا للشيطان .

وقال إبراهيم التيمي : إن الشيطان ليدعو العبد إلى الإثم فلا يطعه وليحدث عند ذلك خيرًا فإذا رآه كذلك تركه .

الرياء والأجر :

اعلم - هداك الله - أن الرياء إما أن يدخل في أصل العمل أو في أوصافه ؛ فإن دخل في أصل العمل ، يعني كان هو الدافع والباعث عليه بطل بالإجماع .

وإن دخل الرياء في أوصاف العمل كطول في ركوع أو سجود ، ففيه قولان أحدهما يبطله والآخر لا يبطله ولكن ينقص من أجره .