العجب

 

العجب يختلف عن الكبر ، فالكبر ثلاثة أركان : متكبر ، ومتكبر به ، ومتكبر عليه ، والعجب ليس له إلا ركنان اثنان : معجب ومعجب به فقط ، ولكن العجب هو الدرجة الأولى في سلم الكبر فنعوذ بالله منهما .

والعجب هو استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم .

والعجب أنواع : فمن الناس من يعجب بصحته وقوته وتناسب أعضائه وحسن صورته ، فليعلم أن ذلك من نصيب الدود وأن كل من عليها فان .

ومن الناس من يعجب بعقله وفطنته واستكشافه لبطائن الأمور الدينية والدنيوية وثمرة هذا العجب أن تجده مستبدًّا برأيه مستجهلاً لغيره معرضًا عن سماع آراء الآخرين . فليفكر هذا العاقل فيما لو ابتلاه الله بمرض في دماغه لجن عقله وطار لبه وذهب فكره ، فليحمد الله على العافية وليشكره على النعمة .

ومن الناس من يعجب بنسبه ويظن أنه ناج لا محالة ، أليس هو ابن فلان المنسب من الحسن أو الحسين ؟ فليعلم هذا الغافل أن من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نادى أقرب الناس إليه : " يا فاطمة : اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئًا " متفق عليه .

ومن الناس من يعجب بكثرة أولاده وأهله وعشيرته ، وهذا يكفيه قول الله تعالى : " يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (35) " سورة عبس .

فأي عجب بمن يتركك في أشد أحوالك ، ويهرب منك في أحرج أوقاتك .

ومن الناس من يعجب بماله وغناه فليقرأ قول الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ " ، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بينما رجل يتبختر في حلة وقد أعجبته نفسه إذ أمر الله الأرض فأخذته ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة " . متفق عليه .

ومن الناس من يعجب بعبادته ، وهذا إنما أوتي من جهله ؛ لأنه لا يدري أقبلت عبادته أم لا ؟

وقال مسروق - رحمه الله تعالى - : كفى بالمرء علمًا أن يخشى الله ، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله .

وعن عمر رضي الله عنه قال : إن من صلاح توبتك أن تعرف ذنبك ، ومن صلاح عملك أن ترفض عجبك ، ومن صلاح شكرك أن تعرف تقصيرك .

وقال مطرف بن عبد الله - رحمه الله - : لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا أحب إلي من أبيت قائمًا وأصبح معجبًا .

وروي عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً سألها فقال : متى أعلم أني محسن ؟ قالت : إذا علمت أنك مسيء . قال : ومتى أعلم أني مسيء ؟ قالت : إذا علمت أنك محسن .

وقال البخاري : قال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخشى النفاق على نفسه .

قال أبو الليث السمرقندي - رحمه الله - : من أراد أن يكسر العجب فعليه بأربعة أشياء :

أولها : أن يرى التوفيق من الله تعالى ، فإذا رأى التوفيق من الله تعالى فإنه يشتغل بالشكر ولا يعجب بنفسه .

والثاني : أن ينظر إلى النعماء التي أنعم الله بها عليه فإذا نظر في نعمائه اشتغل بالشكر عليه واستقل عمله ولم يعجب به .

والثالث : أن يخاف أن لا يتقبل منه فإذا اشتغل بخوف القبول لا يعجب بنفسه .

والرابع : أن ينظر في ذنوبه التي أذنب قبل ذلك ، فإذا خاف أن ترجح سيئاته على حسناته فقد قل عجبه ، وكيف يعجب المرء بعمله ولا يدري ماذا يخرج من كتابه يوم القيامة ، وإنما يتبين عجبه وسروره بعد قراءة الكتاب . ( تنيبه الغافلين ) .