الغضب

 

الغضب من مداخل الشيطان الكبرى ومكائده العظمى ؛ لأن الشيطان يلعب بالغضبان كما يلعب الأطفال بالكرة والمشاهدة أكبر دليل على ذلك .

يقول أبو حامد الغزالي - رحمه الله - : يتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخان مظلم إلى الدماغ يستوي على معادن الفكر ، وربما يتعدى إلى معادن الحس فتظلم عينه حتى لا يرى بها ، وتسود عليه الدنيا بأسرها ، ويكون دماغه مثل الكهف الذي اضطرمت فيه نار فاسود جوه وحمي مستقره وامتلأت بالدخان جوانبه ، وربما تقوى نار الغضب فتفنى الرطوبة التي بها حياة القلب فيموت صاحبه غيظًا .

ومن آثار الغضب في الظاهر : تغير اللون وشدة ارتعاد الأطراف وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام واضطراب الحركة والكلام حتى يظهر الزبد على الأشداق ، وتحمر الأحداق ، وتنقلب المناخر وتستحيل الخلقة ، ولو رأى الغضبان في حالة غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته ، وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره ، فإن الظاهر عنوان الباطن ، هذا أثره في الجسد .

وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام ، الذي يستحيي منه ذو العقل ويستحيي منه قائله عند فتور الغضب ، وذلك مع تخبط النظم واضطراب اللفظ .

وأما أثره على بقية الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالاة ، فإن هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي رجع الغضب على صاحبه فمزق ثوبه أو لطم نفسه ، وقد يضرب بيده الأرض ، وقد يضرب الجمادات ويتعاطى أفعال المجانين .

أما أثره في القلب مع المغضوب عليه فالحقد والحسد وإضمار السوء والشماتة بالمسآت والحزن بالسرور والعزم على إفشاء السر وهتك الستر والاستهزاء وغير ذلك من القبائح .

( إحياء علوم الدين  مختصرًا )

وكلما فتر الغضب أثاره الشيطان بمثل قوله : هو مستهزئ بك ، لا بد أن تنتقم ، وغير ذلك مما يثير الغضب ، ومن هنا وجب على المسلم العاقل أن يغلب شيطانه ويكظم غيظه ويلتمس العذر لغيره .

روى البزار عن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على قوم يصطرعون فقال : " ما هذا ؟ " قالوا : فلان ما يصارع أحدًا إلا صرعه .. " قال : " أفلا أدلكم على من هو أشد منه ؟ رجل كلمه رجل ، فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه " . قال الحافظ : سنده حسن . ( فتح الباري ) .

فالقوة الحقيقية هي التحكم في النفس عند الغضب فلا ينطق بسوء ولا يتلفظ بفحش ولا يمضي غيظه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ليس الشديد بالصُّرَعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " . متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

والصُرَعة بضم الصاد وفتح الراء : الذي يصرع الناس ويغلبهم وهو المقصود هنا .

وأما ( الصُرْعة ) بسكون الراء فهو الضعيف الذي يصرعه الناس ويغلبونه .

ولذلك رغب النبي - صلى الله عليه وسلم - في كظم الغيظ وترك الغضب ، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رجل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دلني على عمل يدخلني الجنة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تغضب ولك الجنة " . ( قال الحافظ المنذري رواه الطبراني بإسنادين أحدهما صحيح ) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : أوصني ، قال : " لا تغضب " فردد مرارًا قال : " لا تغضب " رواه البخاري وزاد أحمد في رواية : قال الرجل : ففكرت حين قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله .

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما يبعدني من غضب الله ؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : " لا تغضب " . قال الحافظ العراقي : رواه الطبراني في مكارم الأخلاق وابن عبد البر في التمهيد بإسناد حسن .

ولا يمكن لآدمي معتدل الخلق أن يتخلى عن غريزة الغضب التي جُبل عليها وبها طبع ، ولكن عليه أن يقطع الآثار المهيجة للغضب كعزة النفس والكبر وغير ذلك .

قال علي بن زيد : أغلظ رجل من قريش لعمر بن عبد العزيز القول ، فقال عمر : أردت أن يستفزني الشيطان لعزة السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدًا ، انصرف رحمك الله . ( أدب الدنيا والدين ) .

تسكين الغضب :

فإذا غضب فعليه أن يسكن غضبه ويهدئ من ثورته وذلك بعدة أمور :

الأول : أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم . فعن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال : استب رجلان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه وتنتفخ أوداجه ، فنظر إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " . فقام إلى الرجل ممن سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : هل تدري ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آنفاً ؟ قال : لا ، قال : " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " فقال الرجل : أمجنون تراني ؟

الثاني : أن يتذكر ثواب كظم الغيظ وأجره العظيم ، فيكظم غيظه رغبة فيما عند الله تعالى ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من جرعة - أعظم أجرًا عند الله - من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله " رواه ابن ماجه إسناده صحيح ورجاله ثقات .

وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه كلهم من طريق عبد الرحيم بن ميمون عن سهل بن معاذ عن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من كظم غيظًا وهو قادر أن ينفذه دعاه الله سبحانه على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين ما شاء " .

الثالث : أن يسكت ؛ لأنه يكون أقرب إلى الخطأ في هذه الحالة ، فالسكوت أسلم كما قيل :

إذا نطق السفيه فلا تجبـه       فخير من إجـابته السـكوت

سكتُّ عن السفيه فظن أني      عييت عن الجواب وما عييت

وقال - صلى الله عليه وسلم - : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت " . متفق عليه .

وروى أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعًا : " إذا غضبت فاسكت " . وهو حديث ضعيف .

الرابع : أن يجلس أو يضطجع لما رواه وأبو داود وابن حبان عن أبي ذر مرفوعًا : " إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس ، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع " . رواه أبو داود .

وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات ، ألا وإن منهم البطيء الغضب السريع الفيء ، ومنهم سريع الغضب سريع الفيء ، فتلك بتلك ، ألا وإن منهم سريع الغضب بطي الفيء ، ألا وخيرهم بطيء الغضب سريع الفيء ، وشرهم سريع الغضب بطيء الفيء ، ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم ، أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه ، فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق بالأرض " . وقال الترمذي : حديث حسن .

الخامس : أن يتفكر في قبح منظره عند الغضب فإن هذا مما يسكنه . أما أحاديث الوضوء عند الغضب فلا يصح منها شيء والله أعلم .

السادس : أن يتذكر جزاء الصفح وثوابه عند الله تعالى فيدفعه ذلك إلى تحمل جهل الجاهل وسفه السفيه ابتغاء مرضات الله وما عنده من الثواب العظيم .

قال تعالى في صفة المتقين : " وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) " سورة آل عمران . فالمسلم عندما يكظم غيظه يضع نفسه في عداد المتقين فإذا عفا وسامح ارتفع إلى درجة المحسنين . قال ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى : " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " : الصبر عند الغضب ، والعفو عند الإساءة ، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله ، وخضع لهم عدوهم . ذكره البخاري تعليقًا مجزومًا به .

وقال الحسن البصري : من علامات المسلم : قوة في دين ، وحزم في لين ، وإيمان في يقين ، وعلم في حلم ، وكَيْس في رفق ، وإعطاء في حق ، وقصد في غنى ، وتحمل في فاقة ، وإحسان في قدرة ، وصبر في شدة ، ولا يغلبه الغضب ، ولا تجمح به الحمية ، ولا تغلبه شهوة ، ولا تفضحه بطنه ، ولا يستخفه حرصه ، ولا تقتصر به نيته ، فينصر المظلوم ، ويرحم الضعيف ، ولا يبخل ، ولا يبذر ، ولا يسرف ، ولا يقتر ، يغفر إذا ظُلم ، ويعفو عن الجاهل ، نفسه منه في عناء ، والناس منه في رخاء .

السابع : أن يترفع بنفسه عن السباب والقذف واللعن والشتم ؛ لأن ذلك من صفات السفيه .

كما روي عن سلمان أنه قال لما شتمه رجل : إن خفت موازيني فأنا شر مما تقول ، وإن ثقلت موازيني لم يضرني ما تقول .

وروي أن رجلاً سب أبا بكر رضي الله عنه ، فقال أبو بكر : ما ستر الله عنك أكثر .

وروي أن امرأة قالت لمالك بن دينار : يا مُراءٍ ، فقال : ما عرفني غيرك .

وروي عن الأحنف بن قيس أنه قال : ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث : إن كان أعلى مني عرفت له قدره ، وإن كان دوني رفعت قدري عنه ، وإن كان نظيري تفضلت عليه .

فأخذ الخليل هذه المقولة للأحنف ، فنظمه شعرًا :

سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب       وإن كثرت منه إليَّ الجرائم

فما الناس إلا واحد من ثلاثـــة        شريف ومشروف ومثل مقاوم

فأما الذي فوقي فأعــرف قـدره       وأتبع فيه الحق والحــق لازم

وأما الذي دونـي فأحــلم دائبًا         أصون به عرضي وإن لام لائم

وأما الذي مـثلي فإن زل أو هـفا        تفضلت ، إن الفضل بالفخر حاكم

وقال بعضهم :

وفي الحلم ردع للسفيه عن الأذى           وفي الخرق إغراء فلا تك أخرقا

فتندم إذ لا ينفعك نـدامـــة            كما نـدم المغـبون لما تفرقـا

وقال غيره :

 أحب مكارم الأخلاق جهدي      وأكره أن أعيب وأن أعـاب

وأصفح عن سباب الناس حلما     وشر الناس من يهوى السباب

ومن هاب الرجال تهــيبوه       ومن حقر الرجال فلن يهـاب

واعلم أن الغضب نوعان : إما أن يكون الغضب للنفس وهذا مذموم ، وقد تقدم بيانه ، وإما أن يكون لله وهذا محمود بل مندوب فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الرءوف الرحيم إذا ما رأى مخالفة شرعية غضب واحمر وجهه ولم يسكت حتى يغيرها . فعن عائشة رضي الله عنها قالت : دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي بيتي قرام - أي ستر - فيه صور ، فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه ثم قال : " من أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذي يصورون هذه الصور " . متفق عليه .

ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قبلة المسجد نخامة فحكها بيده وتغيظ ، وقال : " إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإن الله حيال وجهه ، فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة " . متفق عليه .