الكبر

 

الكبر من مداخل الشيطان وبه يستذل الإنسان ويحمله على رد الحق والإصرار على الباطل ، والمتكبر جاهل لا يعرف حقيقة نفسه ، ولا حقيقة ربه تبارك وتعالى ؛ لأنه لو عرف نفسه حق المعرفة لعلم أنه كان نطفة تشمئز منها النفس ثم علقة ثم مضغة ثم كان مولودًا صغيرًا ضعيفًا فعلام التكبر ؟!

ولما كان الكبر مهلكًا حذر الله تعالى منه فقال سبحانه : " وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً (37) " سورة الإسراء .

وقال أيضًا : " إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا (36) " سورة النساء .

وقال : " سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ (146) " سورة الأعراف .

وقال : " كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) " سورة غافر .

والآيات في ذلك كثيرة .

وحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكبر أيضًا وبين أن عاقبته وخيمة فقال : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " . رواه مسلم والترمذي .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " قال الله تعالى : العز إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني شيئًا منهما عذبته " . رواه مسلم والبرقاني في المستخرج .

وعن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ألا أخبركم بأهل النار ؟ كل عتل جواظ مستكبر " متفق عليه . والعتل : هو الغليظ الجافي ، والجواظ : هو الضخم المختال في مشيته .

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " احتجت الجنة والنار ، فقالت النار : في الجبارون والمتكبرون ، وقالت الجنة : في ضعفاء المسلمين ومساكينهم ، فقضى الله بينهما : إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء ، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء ولكليكما علي ملؤها " . رواه مسلم .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر " . رواه مسلم والنسائي ، والعائل هو الفقير .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " بينما رجل ممن كان قبلكم يجر إزاره من الخيلاء خُسف به وهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة " . رواه البخاري والنسائي . والخيلاء : هو الكبر والعجب ، ويتجلجل : أي يغوص وينزل فيها .

وعنه أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة " . متفق عليه .

وعن أبي عبد الله عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ، كبه الله لوجهه في النار " . رواه أحمد والبيهقي في الشعب وقال الحافظ العراقي : إسناده صحيح .

وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين ، فيصيبه ما أصابهم " رواه الترمذي وقال : حديث حسن غريب .

" يذهب بنفسه " أي يترفع ويتكبر .

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يخرج من النار عنق له أذنان تسمعان وعينان تبصران ولسان ينطق يقول : " وكلت بثلاثة : بكل جبار عنيد ، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر ، وبالمصورين " . رواه الترمذي وقال : حديث صحيح غريب ، وصححه الألباني على شرط الشيخين .

وقال الحسن البصري رحمه الله : العجب من ابن آدم يغسل الخرء بيده كل يوم مرة أو مرتين ثم يعارض جبار السموات .

وقال النعمان بن بشير على المنبر : إن للشيطان مصالي وفخوخًا ، وإن من مصالي الشيطان وفخوخه البطر بأنعم الله ، والفخر بإعطاء الله ، والكبر على عباد الله ، واتباع الهوى في غير ذات الله .

وروي أن مطرف بن عبد الله الشخير نظر إلى المهلب بن أبي صفرة وعليه حلة يسحبها ويمشي الخيلاء فقال : يا أبا عبد الله ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله ؟؟ فقال الملهب : أما تعرفني ؟ فقال : بل أعرفك ، أولك نطفة مذرة ، وآخرك جيفة قذرة ، وحشوك ما بين ذلك بول وعذرة ، فترك الملهب مشيته هذه .

فأخذ ابن عوف هذا الكلام ونظمه شعرًا فقال :

عجبت من معجب بصورته     وكان بالأمس نطفة مذرة

وفي غد بعد حسن صورته       يصير في اللحد جيفة قذرة

وهو على تيهه  ونخوتــه      ما بين ثوبيه يحمل العذرة

وعن أبي بكر الهذلي قال : بينما نحن مع الحسن إذ مر علينا ابن الأهتم يريد المقصورة وعليه جباب خز قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه وانفرج عنها قباؤه وهو يمشي يتبختر إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال : أف أف شامخ بأنفه ، ثاني عطفه ، مصعر خده ، ينظر في عطفيه ، أي حميق أنت ، تنظر في عطفيك في نعم غير مشكورة ، ولا مذكورة غير مأخوذ بأمر الله فيها ، ولا المؤدى حق الله منها ، وفي كل عضو من أعضائك لله نعمة ، وللشيطان به لفتة ، فسمع ابن الأهتم فرجع يعتذر إليه فقال : لا تعتذر إليّ وتب إلى ربك ، أما سمعت قول الله تعالى : " وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً (37) " سورة الإسراء .

أنواع المتكبرين :

1 - من الناس من يتكبر بملكه أو مكانته الاجتماعية ويقوي هذا الكبر ويعظمه كثرة مديح المتقربين وإطراء المتملقين الذين جعلوا النفاق عادة ومكسبًا ، والتملق خديعة وملعبًا ، فيمدحونه بما ليس فيه ويرفعونه فوق شأنه ومرتبته ، فيظن ذلك حقًّا فيزداد كبرًا .

وقد قيل : عجبًا لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح ؟ ولمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب ؟!

وقال الشاعر :

يا جاهلاً غره إفراط مادحه           لا يغلبن جهل من أطراك علمك بك

أثنى وقال بلا علم أحاط به           وأنت أعلم بالمحصول من ريبك

وهذا النوع من الكبر منتشر بين الملوك والرؤساء ، ولذلك يجب عنهم أن يُبعدوا بطانة السوء التي تزين لهم سوء أفعالهم ولا تبين لهم قبيح أعمالهم فترديهم وتهلكهم . وهؤلاء الملوك لو عقلوا لعلموا أن الملك أيام لا تدوم ، ولو دام لغيرهم ما وصل إليهم :

" قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) " سورة آل عمران .

2 - ومن الناس من يتكبر بماله وهذا مغفل جاهل ؛ لأنه لو كان عاقلاً لعلم أن المال هبة يمكن أن يأخذها الله في أي وقت وبأي سبب كصاحب الجنة الذي دخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدًا ، فأرسل الله تبارك وتعالى على جنته حسبانًا من السماء فتركها خاوية على عروشها .

وكقارون الذي تكبر بماله الذي كثر حتى إن مفاتيح الخزائن لا يستطيع حملها سبعة من الرجال الأقوياء ، فخسف الله تبارك وتعالى به الأرض هو وماله ، فكانت عاقبته الخسران المبين ... ولو أن الله ابتلى ذلك الغني بمرض لتمنى أن يؤخذ منه ماله كله وترد إليه صحته . كما روي أن ملكًا من ملوك المسلمين طلب كوبًا من الماء ليشرب ، فجاءه الخادم بالكوب وقال له : أيها الملك لا تشرب حتى أسألك سؤالاً . قال : سل ، قال : إذا منع منك هذا الكوب فبكم تشتريه ؟ قال الملك : بنصف ملكي . قال : فإذا شربته ووقف في مثانتك فلم ينزل ، فكم تدفع حتى تنزله ؟ قال : ملكي كله . قال : إذًا فملكك لا يساوي بولة واحدة .

3 - ومن الناس من يتكبر بقوته وصحته ، وهذا رجل غافل ؛ لأن القوة ليست هي مقياس الشرف بين الناس ، وهل قوة الرجل تكافئ قوة حمار أو بغل ؟

ولو كانت القوة هي المقياس لاستحق الحمار أن يكون مديرًا ، والبغل أن يكون وزيرًا والفيل أن يكون رئيسًا . ولكن المدار على العقل ، فبه يصل الإنسان إلى معرفة ربه وخالقه ، وبه يسير الإنسان في الناس سيرًا حسنًا . وهو الذي يجنب صاحبه المضار والمهالك ، وقد نسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه الأبيات التالية :

إن المكارم أخلاق مطهرة         فالعقل أولها والدين ثانيها

والعلم ثالثها والحلم رابعها       والجود خامسها والعرف سادسها

والبر سابعها والصبر ثامنها        والشكر تاسعها واللين عاشيها

( أدب الدنيا والدين ) .

فانظر هداك الله إنه لم يعد القوة والفتوة من المكارم ؛ لأنها لا تكون مفخرة إلا إذا استخدمت في الخير والصلاح .

وقد روي أن أبا حنيفة - رحمه الله - كان يلقي على تلامذته درس فقه وكان مادًّا رجليه فدخل المسجد رجل حسن الهيئة فارع الطول وأتى حلقة أبي حنيفة ليستمع ، فضم أبو حنيفة رجليه احترامًا للقادم وظل يلقي درسه حتى وصل إلى قوله : " وقت المغرب يبدأ من غروب الشمس إلى غياب الشفق الأحمر من السماء " فقال هذا الرجل : يا شيخ أرأيت إن لم تغرب الشمس ؟ فقال أبو حنيفة : الآن آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه .

4 - ومن الناس من يتكبر بعلمه ، وهذا أجدر به أن يسمى جاهلاً ؛ لأن العلم إن لم يزد صاحبه تواضعًا وخشية فليس بعلم نافع . فالعلم علمان : علم على اللسان ، وعلم في القلب ، فأما العلم الذي على اللسان فهو حجة الله على خلقه ، وأما الذي في القلب فهو الخشية . ( أدب الدنيا والدين ) .

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار ، فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه ، فيقولون : يا فلان ما شأنك ؟ ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن الشر وآتيه " . متفق عليه . أقتابه : أمعاؤه .

وكيف يسمى الرجل عالمًا وبه آفة الكبر وقد قيل :

يا أيها الرجل المعلم غيره                     هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى            كيما يصح به وأنت سقيم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها                  فإذا انتهت عنه فأنت حكــيم

فهناك تعذر إن وعظت ويقتدى              بالقول منك ويقبل التعــلـيم

لا تنه عن خُلق وتأتي مثله                    عار عليك إذا فعلت عــظيم

5 - ومن الناس من يتكبر بجماله وحسن صورته وهذا أكثر ما يكون في النساء ، ولو عقلت المتكبرة بجمالها لعلمت أن الجمال من نصيب الدود ولو تخيلت صورتها في القبر بعدما أكل الدود لحومها وعينها ومنخرها ، لرأت منظرًا مرعبًا مخيفًا ، بل إن الجمال في الدنيا معرض للآفات والأمراض ، فكم من مرض ترك الجميلة شوهاء والفاتنة نكراء ، فينفر منها الناس بعدما كانوا يتلهفون على رؤيتها .

وقد قيل :

يا مظهر الكبر إعجابًا بصورته           انظر خلالك إن النتن تثريب

لو فكر الناس فيما في بطونهم            ما استشعر الكبر شبان ولا شيب

مظاهر الكبر :

1 - رد الحق : من مظاهر الكبر أن الإنسان الذي يتبين له خطؤه ولا يرجع إلى الحق ولا يقبله ، إنما يكون الدافع الوحيد له على ذلك هو الكبر ، فكم من شيخ كبير أو عالم مشهور ناقشه تلميذ صغير في مسألة وتبين له خطؤه ولكنه لم يرجع إلى الحق أنفة وكبرًا ولا حول ولا قوة إلا بالله .

كما قيل :

لكنهم لم يسمعوا قول الهدى        لما أتى من أصغر الأبناء

بل حاربوه بكل أمر منكر    ورموه بالتعقيد والإعياء

هذا في كثير من علماء زماننا ، أما علماء السلف رحمهم الله فقد كانوا يقبلون الحق أينما كان ، فهذا أبو حنيفة - رحمه الله - يقول : تعلمت نسك الحلق من الحلاق . وهذا الإمام مالك يرجع إلى قول تلميذه الصغير محمد بن إدريس الشافعي في مسألة من مسائل الطلاق .

2 - ومن مظاهر الكبر أيضًا : احتقار الناس وازدراؤهم والتعالي عليهم ولقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - مظاهر الكبر في قوله : " الكبر بطر الحق وغمط الناس " . رواه مسلم .

ولما كان الكبر من مداخل الشيطان ومكايده فلا يمكن التخلص من هذه المكيدة إلا بالتواضع .

عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد " . رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما تواضع أحد لله إلا رفعه " . رواه مسلم والترمذي .