حب الدنيا

لقد زين الشيطان الدنيا وزخرفها في قلوب كثير من الناس فركنوا إليها واطمأنوا بها بل وعضوا عليها بنواجذهم ونشبوا فيها أظفارهم ففيها يعادون وعليها يتنافسون ومن أجلها يتباغضون ويتحاسدون ، ونفذ فيهم إبليس خطته حيث قال : " لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ " . يا أسفاه لقد اتبعوه وأطاعوه إلا من اعتصم بالله ولجأ إليه ورمى الدنيا خلف ظهره : " وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) " سورة سبأ .

ولو عرف الناس حقيقة الدنيا ما أقاموا لها وزنًا ولا جعلوا لها في قلوبهم مكانًا ولا على ألسنتهم ذكرًا والله خالقها قد بين حقيقتها فقال :

" اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) " سورة الحديد .

فالحياة لعب ولهو وزينة ، والعاقل من جعلها مزرعة للآخرة ولذلك نادانا الله تعالى بعد هذه الآية قائلاً :

" سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ (21) " سورة الحديد .

وكما حذرنا الله من الدنيا حذرنا منها رسوله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا ، واتقوا النساء " رواه مسلم .

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه " رواه مسلم والترمذي وابن ماجه .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا " رواه البخاري ومسلم . وفي رواية " كفافًا " ، رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه .

وعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ : " أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ " قال : " يقول ابن آدم : مالي ، مالي ، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت " . رواه مسلم .

وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بالسوق والناس كنفتيه ، فمر بجدي أسك ميت ، فتناوله بأذنه ثم قال : " أيكم يحب أن يكون له هذا بدرهم ؟ " فقالوا : ما نحب أنه لنا بشيء ، وما نصنع به ؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : " أتحبون أنه لكم ؟ " قالوا : والله لو كان حيًّا لكان عيبًا فيه ؛ لأنه أسك ، فكيف وهو ميت ؟ فقال : " والله للدنيا أهون على الله عز وجل من هذا عليكم " . رواه مسلم .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها ، إلا ذكر الله وما والاه ، وعالم ومتعلم " . رواه ابن ماجه والبيهقي والترمذي .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له " . رواه أحمد والبيهقي وقال المنذري في الترغيب : إسناده جيد .

وعن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم " . رواه البخاري ومسلم .

ولقد طغى حب الدنيا في قلوب بعض الناس حتى عبدوها من دون الله !! فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة ، إن أُعطي رضي وإن لم يعط سخط " . رواه البخاري .

ولو عرفوا قيمتها بالنسبة للآخرة لرفضوها وطلبوا الآخرة فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم " . وأشار يحيى بن يحيى بالسبابة ، " فلينظر بم يرجع " . رواه مسلم .

وفي صحيح البخاري عن سهل رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ، ولغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها " .

وروي عن الحسن البصري أنه قال : رحم الله أقوامًا كانت الدنيا عندهم وديعة فأدوها إلى من ائتمنهم  عليها ثم راحوا خفافًا .

وقال أيضًا رحمه الله : من نافسك في دينك فنافسه ، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره .

وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : من جمع فيه ست خصال لم يدع للجنة مطلبًا ولا عن النار مهربًا : من عرف الله فأطاعه ، وعرف الشيطان فعصاه ، وعرف الحق فاتبعه ، وعرف الباطل فاتقاه ، وعرف الدنيا فرفضها ، وعرف الآخرة فطلبها .

وقال أيضًا في وصف الدنيا : هي دارٌ من صح فيها سقم ، ومن أمن فيها ندم ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن استغنى فيها افتتن ، في حلالها الحساب ، وفي حرامها العقاب ، ومتشابهها العقاب .

وقال مالك بن دينار : بقدر ما تحزن للدنيا يخرج هم الآخرة من قلبك ، وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك .

وقال الحسن : والله لقد أدركت أقوامًا كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه ، ما يبالون أشرقت الدنيا أم غربت ، ذهبت إلى ذا أو ذهبت إلى ذا .

وقال بعضهم : يا ابن آدم فرحت ببلوغ أملك وإنما بلغته بانقضاء أجلك ، ثم سوقت بعملك كأن منفعته إلى غيرك .

وقال الحسن : لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث : إنه لم يشبع مما جمع ، ولم يدرك ما أمل ، ولم يحسن الزاد لما يقدم عليه .

وقال أبو سليمان : لا يصبر على شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله بالآخرة .

وقال مالك بن دينار : اصطلحنا على حب الدنيا فلا يأمر بعضنا بعضًا ولا ينهى بعضنًا بعضًا ولا يدعنا الله على هذا فليت شعري ، أي عذاب الله ينزل إلينا .

وقال الشافعي رحمة الله عليه : الدنيا دار مذلة ، عمرانها إلى خراب صائر ، وساكنها إلى القبور زائر ، شملها على الفرقة موقوف ، وغناها إلى الفقر مصروف ، الإكثار فيها إعسار ، والإعسار فيها يسار ، فافزع إلى الله وارض برزق الله ، لا تتسلف من دار فنائك إلى دار بقائك ، فإن عيشك ظل زائل ، أكثر من عملك ، وأقصر من أملك .

وقال علي - كرم الله وجهه - : أوصيكم بتقوى الله ، والترك للدنيا التاركة لكم ، وإن كنتم لا تحبون تركها ، المبلية أجسامكم وأنتم تريدون تجديدها ، فإنما مثلكم ومثلها كمثل قوم في سفر سلكوا طريقًا وكأنهم قطعوه ، فلا تجزعوا لبؤسها وضرائها ، فإنه إلى انقطاع ، ولا تمرحوا لمتاعها ونعمائها فإنها إلى زوال ، عجيب لطالب الدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه .

وقد قيل :

نسير إلى الآجال في كل لحظة        وأيامنا تمضي وهن مراحل

ولم أر مثل الموت حقًّا كأنـه          إذا ما تخطته الأماني باطل

وما أقبح التفريط في زمن الصبا       فكيف به والشيب للرأس شاغل

ترحل من الدنيا بزاد من التقى         فعمرك أيام وهن قلائل

وقال الإمام البخاري رحمه الله :

اغتنم في الفراغ فضل ركوع              فعسى أن يكون موتك بغتة

كم من صحيح مات من غير سقم        ذهبت نفسه الصحيحة فلتة

وقيل أيضًا :

ألا إنما الدنيا كأحلام نائم             وما خير عيش لا يكون بدائم

تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة       فأفنيها هل أنت إلا كحالم