|
حب المدح
اعلم أخي المسلم أنك إذا أحببت المدح فقد دخل الشيطان عليك من باب
العجب وهو داء مهلك ، هذا إن كنت تمدح بما فيك ، ويمكن التخلص منه بأن تتذكر عيوبك
وذنوبك ، فما من إنسان إلا وله عيوب خفية ، كما قال أحد الصالحين لرجل مدحه : لو أن
للذنوب ريحًا ما استطاع أحد أن يقترب مني .
أما إذا كان المدح بما ليس فيك فالفرح بذلك جنون ، قال بعض الحكماء
: من رضي أن يمدح بما ليس فيه فقد أمكن الساخر منه . وقال ابن المقفع : قابل المدح
كمادح نفسه . ( أدب الدنيا والدين ) .
وقد قيل :
وما شرف أن يمدح المرء نفسه ولكن أعمالاً تذم وتمدح
وما كل حين يصدق المرء ظنه ولا كل أصحاب التجارة يربح
ولا كل من ترجو لعيبك حافظًا ولا كل من ضم الوديعة يصلح
واعلم أن للمدح آفات كثيرة ؛ منها أنه يحدث كبرًا وإعجابًا في
الممدوح وهذا مهلك للممدوح ، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : سمع النبي -
صلى الله عليه وسلم - رجلاً يُثني على رجل ويطريه في المدحة فقال : " أهلكتم - أو
قطعتم - ظهر الرجل " . متفق عليه . واللفظ للبخاري فقد بين النبي - صلى الله عليه
وسلم - أن المدح مهلكة .
وعن أبي بكر رضي الله عنه أن رجلاً ذكر عند النبي - صلى الله عليه
وسلم - فأثنى عليه رجل خيرًا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ويحك ، قطعت
عنق صاحبك - يقول مرارًا - إن كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل : أحسب كذا وكذا ،
إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ، ولا يزكي على الله أحدًا " . متفق عليه .
ومن آفات المدح أنه يعمي الممدوح عن عيوبه فلا يشمر للتفتيش عنها .
ومن آفاته أيضًا أن الممدوح يظن نفسه خيرًا فلا يجتهد في الإكثار من
الطاعات ، ولذلك يقول زياد بن أبي مسلم : ما من أحد يسمع ثناء عليه أو مدحة إلا
تراءى له الشيطان .
وقال بعض السلف : من فرح بمدح فقد مكن الشيطان من أن يدخل في باطنه
.
وقال بعضهم : إذا قيل لك نعم الرجل أنت فكان أحب إليك من أن يقال لك
بئس الرجل أنت ، فأنت والله بئس الرجل .
ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إياكم والمدح . وروي
مرفوعًا من حديث معاوية ، أخرجه أحمد وابن ماجه وقال في الزوائد إسناده حسن .
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله : اعلم أن للناس أربعة أحوال
بالنسبة إلى الذام والمادح :
الحالة الأولى : أن يفرح بالمدح ويشكر عليه ، ويغضب من الذم ويحقد
على الذام ويعاقبه .
الحالة الثانية : أن يمتعض في الباطن على الذام ولكن يمسك لسانه
وجوارحه عن معاقبته ، ويفرح باطنه ويرتاح للمادح ، ولكن يحفظ ظاهره عن إظهار سروره
، وهذا من النقصان ولكن بالإضافة إلى ما قبله كمال .
والحالة الثالثة : وهي أول درجات الكمال ، أن يستوي عنده ذامه
ومادحه فلا تغمه المذمة ولا تسره المدحة .
الحالة الرابعة : وهي الصدق في العبادة ، أن يكره المدح ويمقت
المادح إذ يعلم أنه فتنة له قاصمة لظهره مضرة له في الدين ، ويحب الذام إذ يعلم أنه
مُهْدٍ إليه عيوبه ومرشده إلى ذنوبه . ( الإحياء ) .
ولهذا وغيره أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بحثو التراب في وجوه
المداحين ، فقد رأى المقداد رضي الله عنه رجلاً يمدح عثمان رضي الله عنه فعمد
المقدار فجثا على ركبتيه فجعل يحثو في وجهه الحصباء ، فقال له عثمان : ما شأنك ؟
فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا رأيتم المداحين فاحثوا في
وجوههم التراب " . رواه مسلم والترمذي وابن ماجه .
|