التدرج في الإضلال

 

إن الشيطان لا يأتي الإنسان ويقول له : افعل هذه المعصية أو ارتكب هذه الفاحشة ، وإنما يقربه منها خطوة خطوة . وقديمًا قالوا : ( نظرة ، فابتسامة ، فكلام ، فموعد ، فلقاء ) .

وهنا يقع المحظور ، فلذلك حذرنا الله تبارك وتعالى من اتباع خطوات الشيطان فقال جل ثناؤه : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ (21) " سورة النور .

فهذا نداء شفقة ورحمة من الرؤوف الرحيم إلى عباده محذرًا لهم من اتباع طرق الشيطان ومسالكه . ومنبهًا على أنه يجب على العبد أن يغلق باب الطريق من أوله كي لا يندرج معه في الغواية والضلال .

ومن فهم مقاصد الشريعة تبين له ذلك بوضوح ، فما قاعدة " سد الذرائع " إلا من هذا القبيل ، وكذا تحريم الخلوة بالأجنبية وغض البصر فكن متيقظًا أخي المسلم لخطط الشيطان وحبائله .

ويروى عن وهب بن منبه قال : كان عابد في بني إسرائيل وكان أعبد أهل زمانه ، وكان في زمانه ثلاثة إخوة لهم أخت وكانت بكرًا ليس لهم أخت غيرها ، فخرج البعث على ثلاثتهم فلم يدروا عند من يخلفون أختهم ولا من يأمنون عليها ، ولا عند من يضعونها .

قال : فأجمع رأيهم على أن يخلفوها عند عابد بني إسرائيل وكان ثقة في أنفسهم ، فأتوه فسألوه أن يخلفوها عنده فتكون في كنفه وجواره إلى أن يرجعوا من غزاتهم فأبى ذلك وتعوذ بالله عز وجل منهم ومن أختهم ، قال : فلم يزالوا به حتى أطاعهم ، فقال : أنزلوها في بيت حيال صومعتي ، قال : فأنزلوها في ذلك البيت ثم انطلقوا وتركوها ، فمكثت في جوار ذلك العابد زمانًا ينزل إليها بالطعام من صومعته ثم يأمرها فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من طعام .

قال : فتلطف له الشيطان فلم يزل يرغبه في الخير ويعظم عليه خروج الجارية من بيتها نهارًا ويخوفه أن يراها أحد فيعلقها ، فلو مشيت بطعامها حتى تضعه على باب بيتها كان أعظم لأجرك ، قال : فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها ووضعه على باب بيتها ولم يكلمها قال : فلبث على هذه الحالة زمانًا .

ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وحضه عليه وقال : لو كنت تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها كان أعظم لأجرك ، قال : فلم يزل به حتى مشى إليها بالطعام ثم وضعه في بيتها ، فلبث على ذلك زمانًا .

ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وحضه عليه ، فقال : لو كنت تكلمها وتحدثها فتأنس بحديثك ، فإنها قد استوحشت وحشة شديدة ، قال : فلم يزل به حتى حدثها زمانًا يطلع إليها من فوق صومعته .

ثم أتاه إبليس بعد ذلك فقال : لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدثها وتقعد هي على باب بيتها فتحدثك كان آنس لها ، فلم يزل به حتى أنزله وأجلسه على باب صومعته يحدثها وتخرج الجارية من بيتها حتى تقعد على باب بيتها ، فلبثا زمانًا يتحدثان .

ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والثواب فيما يصنع بها ، قال : لو خرجت من باب صومعتك ثم جلست قريبًا من باب بيتها فحدثتها كان آنس لها ، فلم يزل حتى فعل ، قال : فلبثا زمانًا .

ثم جاءه إبليس - عليه لعنة الله - فرغبه في الخير وفيما له عند الله سبحانه وتعالى من حسن الثواب فيما يصنع بها وقال له : لو دنوت منها وجلست عند باب بيتها فحدثتها ولم تخرج من بيتها ففعل ، فكان ينزل من صومعته فيقف على باب بيتها فيحدثها فلبث ذلك حينًا .

ثم جاءه إبليس فقال : لو دخلت معها البيت فتحدثها ولم تتركها تبرز وجهها لأحد كان أحسن بك ، فلم يزل به حتى دخل البيت فجعل يحدثها نهارها كله فإذا مضى النهار صعد إلى صومعته .

ثم أتاه إبليس بعد ذلك فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد على فخذها وقبلها فلم يزل إبليس يحسنها في عينه ويسول له حتى وقع عليها فأحبلها فولدت له غلامًا .

فجاء إبليس فقال : أرأيت إن جاء إخوة الجارية وقد ولدت منك كيف تصنع ؟ لا آمن أن تفتضح أو يفضحوك فاعمد إلى ابنها فاذبحه وادفنه فإنها ستكتم ذلك عليك مخافة إخوتها أن يطلعوا على ما صنعت بها ففعل ، فقال أتراها تكتم إخوتها ما صنعت وقتلت ابنها ؟ قال : خذها واذبحها وادفنها مع ابنها ، فلم يزل به حتى ذبحها وألقاها في الحفرة مع ابنها وأطبق عليها صخرة عظيمة وسوى عليها وصعد إلى صومعته يتعبد فيها ، فمكث بذلك ما يشاء الله أن يمكث حتى أقبل إخوتها من الغزو ، فجاءوا فسألوا عنها ، فنعاها لهم وترحم عليها وبكاها ، وقال : كانت خير امرأة وهذا قبرها فانظروا إليه ، فأتى إخوتها القبر فبكوا أختهم وترحموا عليها فأقاموا على قبرها أيامًا ثم انصرفوا إلى أهاليهم .

فلما جن عليهم الليل وأخذوا مضاجعهم جاءهم الشيطان في النوم على صورة رجل فبدأ بأكبرهم فسأله عن أخته فأخبره بقول العابد وموتها وترحمه عليها وكيف أراهم موضع قبرها فكذبه الشيطان ، وقال : لم يصدقكم أمر أختكم ، إنه أحبل أختكم وولدت له غلامًا فذبحه وذبحها فزعًا منكم ، وألقاها في حفيرة احتفرها خلف باب البيت الذي كانت تسكن فيه عن يمين من مدخله ، فانطلقوا فادخلوا البيت فستجدونهما كما أخبرتكم هناك جميعًا .

وأتى الأوسط في منامه فقال مثل ذلك ، وأتى أصغرهم فقال له مثل ذلك ، فلما استيقظ القوم أصبحوا متعجبين مما رأى كل واحد منهم . فأقبل بعضهم على بعض يقول كل واحد منهم لقد رأيت الليلة عجبًا فأخبر بعضهم بعضًا بما رأى .

فقال كبيرهم : هذا حلم ليس بشيء فامضوا بنا ودعوا هذا عنكم ، قال أصغرهم : والله لا أمضي حتى آتي إلى هذا المكان فأنظر فيه ، فانطلقوا جميعًا حتى أتوا البيت الذي كانت فيه أختهم ففتحوا الباب وبحثوا الموضع الذي وصف لهم في منامهم فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين في الحفيرة كما قيل لهم ، فسألوا العابد فصدق قول إبليس فيما صنع بهما .

فاستعدوا عليه ملكهم فأنزل من صومعته وقدم ليصلب ، فلما أوثقوه على الخشبة أتاه الشيطان فقال له : قد علمت أني أنا صاحبك الذي فتنك بالمرأة حتى أحبلتها وذبحتها وابنها فإن أطعتني اليوم وكفرت بالذي خلقك وصورك خلصتك مما أنت فيه ، قال : فكفر العابد بالله ، فلما كفر بالله تعالى خلى الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه . ( تلبيس إبليس ) .

قال المفسرون : في هذا وأمثاله نزلت :

 " كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17) " الحشر .

هكذا خطط له الشيطان ودبر حتى نال منه ما يريد ، وما وقع هذا العابد فيما وقع فيه إلا من جهله بمداخل الشيطان وخطواته ، فلو امتنع عليه من أول خطوة لرده خاسئًا .

روى ابن الجوزي بسنده إلى وهب بن منبه قال : كان راهب في صومعته في زمن المسيح عليه السلام ، فأراده إبليس فلم يقدر عليه ، فأتاه بكل رائدة فلم يقدر عليه ، فأتاه متشبهًا بالمسيح ، فناداه : أيها الراهب أشرف علي أكلمك ، قال : انطلق لشأنك فلست أرد ما مضى من عمري .

فقال : أشرف علي فأنا المسيح . فقال : إن كنت المسيح فما لي إليك حاجة ، ألست قد أمرتنا بالعبادة ووعدتنا القيامة ، انطلق لشأنك فلا حاجة لي منك ، فانطلق اللعين وتركه . ( تلبيس إبليس ) .

انظر إلى كلا العابدين : الأول أضله الشيطان بسبب جهله ، والثاني عصم من الشيطان بسبب علمه ؛ ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي " . رواه الترمذي من حديث أبي أمامة وقال حسن صحيح .