|
الصد عن الحق
أخذ الشيطان على نفسه عهدًا ليضلن بني آدم وليغوينهم أجمعين من
اعتصم منهم بالله تعالى وتحصن بحصن الإخلاص ، فذلك لا سبيل للشيطان إليه .
قال تعالى : " قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ
صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ
خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
شَاكِرِينَ (17) " سورة الأعراف .
قال القرطبي - رحمه الله تعالى - : " لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ
الْمُسْتَقِيمَ " أي : بالصد عنه وتزيين الباطل حتى يهلكوا كما هلك .
قال : والصراط المستقيم هو الطريق إلى الجنة . ( تفسير القرطبي ) .
قال الحكم بن عتيبة : " مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ " من دنياهم ، "
وَمِنْ خَلْفِهِمْ " من آخرتهم ، " وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ " يعني حسناتهم ، " وَعَن
شَمَائِلِهِمْ " يعني سيئاتهم .
قال النحال : وهذا قول حسن وشرحه : أن معنى " ثُمَّ لآتِيَنَّهُم
مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ " من دنياهم حتى يكذبوا بما فيها من الآيات وأخبار الأمم
السالفة ، " وَمِنْ خَلْفِهِمْ " من آخرتهم حتى يكذبوا بها ، " وَعَنْ
أَيْمَانِهِمْ " في حسناتهم وأمور دينهم ، ويدل على هذا قوله : " إِنَّكُمْ كُنتُمْ
تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ " ، " وَعَن شَمَائِلِهِمْ " يعني سيئاتهم ، أي
يتبعون الشهوات ؛ لأنه يزينها لهم ، " وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ " أي
موحدين طائعين مظهرين الشكر . ( تفسير القرطبي ) .
وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : ولم يقل فوقهم ؛ لأنه علم
أن الله من فوقهم قال قتادة : أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك
من فوقك ، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله . ( إغاثة اللهفان ) .
قال شقيق : ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد : من بين
يدي ، ومن خلفي ، وعن يميني ، وعن شمالي ، فيقول : لا تخف فإن الله غفور رحيم ،
فأقرأ : " وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ
اهْتَدَى (82) " سورة طه .
وأما من خلفي فيخوفني على من أخلفه فأقرأ : " وَمَا مِن دَابَّةٍ
فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا (6) " سورة هود ، ومن قبل يميني يأتيني
من قبل النساء فأقرأ : " وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) " ، ومن قبل شمالي
فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ : " وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ
(54) " سورة سبأ . ( إغاثة اللهفان ) .
قال ابن القيم رحمه الله : السبل التي يسلكها الإنسان أربعة لا غير
؛ فإنه تارة يأخذ عن جهة يمينه ، وتارة عن شماله ، وتارة أمامه ، وتارة يرجع خلفه ،
فأي سبيل سلكها من هذه وجد الشيطان عليها رصدًا له ، فإن سلكها في طاعة وجده عليها
يثبطه عليها ويقطعه ، أو يعوقه ويبطئه ، وإن سلكها لمعصية وجد عليها حاملاً له
وخادمًا ومعينًا وممنيًا ، ولو اتفق له الهبوط إلى أسفل لأتاه هناك . ( إغاثة
اللهفان ) .
روى الإمام أحمد والنسائي من حديث سبرة بن أبي الفاكه أنه سمع النبي
- صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه ، فقعد له بطريق
الإسلام فقال : أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك ، فعصاه فأسلم ، ثم قعد له
بطريق الهجرة فقال : تهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كمثل الغرس في الطول
، فعصاه فهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد ، فقال : تجاهد وهو جهد - أي تلف - النفس
والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال ، فعصاه فجاهد ، فمن فعل ذلك كان
حقًّا على الله أن يدخله الجنة ، ومن قتل كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة ، وإن
غرق كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة ، وإن وقصته دابته كان حقًّا على الله أن
يدخله الجنة " . رواه النسائي وقال الحافظ العراقي : إسناده صحيح .
|