|
تزيين الباطل
إن الباطل له صورة قبيحة وسمة وقحة ، ولذلك يعمد الشيطان إلى هذا
الباطل فيغطيه بغطاء جميل ويلبسه رداءً حسنًا ثم يزينه ويحسنه ، ثم يبدأ في إغواء
العبد به ، وما علمنا ذلك إلا من قول الشيطان نفسه حين قال لربه : " لأُزَيِّنَنَّ
لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) " سورة الحجر . فالتزيين
أولاً ثم الإغراء .
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - : ومن مكايده أنه يسحر العقل
دائمًا حتى يكبده ، ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله ، فيزين له الفعل الذي يضره
حتى يخيل إليه أنه من أنفع الأشياء وينفر من الفعل الذي هو أنفع الأشياء ، حتى يخيل
له أنه يضره ، فلا إله إلا الله كم فتن بهذا السحر من إنسان ! وكم حال بين القلب
وبين الإسلام والإيمان والإحسان ! وكم جلى الباطل وأبرزه في صورة حسنة ! وشنع الحق
وأخرجه في صورة مستهجنة ! وكم بهرج من الزيوف على الناقدين ! وكم روج من الزغل على
العارفين ، فهو الذي سحر العقول حتى ألقاها أربابها في الأهواء المختلفة ، والآراء
المتشعبة ، وسلك بهم سبل الضلال كل مسلك ، وألقاهم من المهالك في مهلك بعد مهلك ،
وزين لهم عبادة الأصنام ، وقطيعة الأرحام ، ووأد البنات ، ونكاح الأمهات ، ووعدهم
بالفوز بالجنات مع الكفر والفسوق والعصيان ، وأبرز لهم الشرك في صورة التعظيم ،
والكفر بصفات الرب تعالى وعلوه وتكلمه بكتبه في قالب التنزيه ، وترك الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر في قالب التودد إلى الناس ، وحسن الخلق معهم والعمل بقوله : "
عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ... " (المائدة 105) .
والإعراض عما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام في قالب التقليد ،
والاكتفاء بقول من هو أعلم منه ، والنفاق والمداهنة في دين الله في قالب العقل
المعيشي الذي يندرج به العبد بين الناس . ( إغاثة اللهفان ) .
|