|
تحقيق العبوديه لله وحده
لما أقسم الشيطان للرحمن أنه سيغوي آدم وذريته رد الله عليه مبينًا
أن هناك طائفة لا يستطيع أن يسيطر عليها فقال : " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ
عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ (42) " سورة الحجر . فمن حقق العبودية لله وحده فلا سلطان
للشيطان عليه ، ونلاحظ أن الله أضاف كلمة العباد إليه تعالى فقال سبحانه : " عبادي
" إما إضافة تشريف أو تخصيص ؛ لأنهم خصوه بجميع أنواع العبادات ، ولم يصرفوا شيئًا
منها لغيره … ولكن ما العبادة ؟
العبادة : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال
الظاهرة والباطنة . وأقسام العبادة أربعة هي :
القسم الأول : العبادة البدنية كالصلاة والصيام والركوع والسجود
والحج والطواف .
القسم الثاني : العبادة المالية كالذبح والنذر والزكاة والصدقة .
القسم الثالث : العبادة القلبية كالخشوع والخضوع والذل والانكسار
والإخبات والمحبة والتوكل والإنابة والاستعانة والخوف والرجاء والتعظيم والرهبة .
القسم الرابع : العبادة القولية كالحلف والاستغاثة والدعاء
والاستعاذة . فهذه كلها عبادات يجب أن تصرف لله عز وجل ولا يجوز أن يصرف شيء منها
لسواه ولو كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلاً أو وليًّا صالحًا .
فكما لا يجوز الركوع والسجود إلا لله . كذلك لا يجوز الطواف إلا
بالكعبة . قال تعالى : " وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ " فلا يجوز
الطواف بقبر أو غيره ، وكذلك الذبح لا يجوز لغير الله لقوله : " لعن الله من ذبح
لغير الله " . رواه مسلم .
وعن طارق بن شهاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " دخل
رجل الجنة في ذباب ودخل رجل النار في ذباب " قالوا : وكيف يا رسول الله ؟ قال : "
مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئًا . فقالوا لأحدهما قرب ،
فقال : ليس عندي شيء أقرب . قالوا له : قرب ولو ذبابا ، فقرب ذبابا ، فخلوا سبيله
فدخل النار ، وقالوا للآخر قرب ، فقال : ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله عز وجل
فضربوا عنقه فدخل الجنة " . رواه أحمد .
وقال تعالى : " فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) " سورة التكاثر .
أي كما تصلي لربك فلا تصل لسواه ، انحر لربك ولا تنحر لسواه ، والنحر هو الذبح .
وقال تعالى : " قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ (162) " سورة الأنعام . والنسك هو الذبح أيضًا .
وكذلك النذر يجب أن يكون خالصًا لله تعالى ، قال سبحانه : " وَمَا
أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرِ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ
(270) " سورة البقرة .
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - : " من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه " . رواه
البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي ومالك .
كذلك الخشوع والخضوع والذلة يجب أن تكون لله وحده ولكننا نرى أناسًا
يصرفونها لغير الله كأولئك الذين يخرون على أعتاب الأضرحة ويبكون ويتضرعون ويخشعون
كأنهم في صلاة بل أشد .
والمحبة كذلك يجب أن تكون لله خالصة صادقة ؛ لأن مدعي المحبة كثيرون
، إنما محققها قليل ، فكيف يدعي المحبة رجل يقدم أوامر رئيسه أو زوجته أو ولده على
أمر الله ؟ أو كيف يدعي محبة الله رجل مقيم على معصية الله واسمع لقول الشافعي :
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيـع
وعلامة المحبة الصادقة لله ورسوله هي الاتباع : " قُلْ إِن كُنتُمْ
تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31) " سورة آل عمران . فكثير من مدعي المحبة إذا وضعوا
في ميزان الاتباع تهافتوا ولم يثبتوا .
كذلك التوكل وتعليق القلب لا يكون إلا على الله مدبر الأمر وخالق
الأسباب .
وكذلك الاستعانة لا تكون إلا بالله وحده : " إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إذا استعنت فاستعن بالله " .
وتعظيم الله حق على كل مسلم ومسلمة ، والتعظيم له علامات منها تعظيم أوامر الله
وعدم التهاون بها : " وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى
الْقُلُوبِ (32) " سورة الحج .
فكيف يدعي تعظيم الله رجل تهاون في حقوق الله ولم يرعها حق رعايتها
وتعدى حدود الله وانتهك محارمه . كذلك الخوف الحقيقي لا يكون إلا من الله ؛ لأن
الخوف من غير الله شرك وهذا موضوع فيه تفصيل :
فالخوف ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : خوف عبادة وتعظيم وهذا لا يكون إلا لله .
القسم الثاني : خوف فطري كالخوف من الأسد أو من النار أو من رجل
مشهر سلاحه ، وهذا لا يضر التوحيد والإخلاص .
ومن هنا يتبين الفرق بين الخوفين كما يتبين لنا أن من ينذر لغير
الله كقبر ولي مثلاً ويظن أنه لم يوف نذره فسيضره الولي ، فهذا قد صرف الخوف لغير
الله وهو خوف عبادة وتعظيم ، لأن الفرق بين خوف التعظيم والخوف الفطري أن الأول خوف
مع الحب والثاني خوف مع الكراهية . فالأول يخاف من الولي ويحبه ، والثاني يخاف من
الأسد ويكرهه وهكذا .
والرجاء كذلك يجب أن يتعلق بالله وحده ، فالمؤمن يرجو رحمة الله
ويخاف عذابه ، فالخوف والرجاء جناحان يطير بهما المؤمن إلى رضوان الله .
والحلف يجب أن يكون بالله لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من
حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " . رواه الترمذي وحسنه الحاكم وابن حبان وصححاه عن
ابن عمر رضي الله عنهما .
فالحلف بالنبي أو الولي أو الكعبة أو بأي مخلوق من مخلوقات الله شرك
. لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ،
ومن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت " . رواه الستة .
وعن بريدة مرفوعًا : " من حلف بالأمانة فليس منا " . رواه أبو داود
بسند صحيح .
ويجب على المسلم أن يصدق إذا حلف له بالله فقد قال النبي - صلى الله
عليه وسلم - : " من حلف له بالله فليصدق ، ومن حلف له بالله فليرض ، ومن لم يرض
فليس من الله " . رواه ابن ماجه بسند حسن قال الحافظ ( فتح الباري ) .
ولعل السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بغير الله ذريعة
إلى تعظيم المحلوف به .
والدعاء عبادة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " الدعاء هو
العبادة " . رواه الترمذي وقال : حسن صحيح .
فمن صرف كل هذه العبادات لله متصفًا بالإخلاص فيها فهو من حزب الله
: " أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) " سورة المجادلة . أما من
صرف شيئًا من هذه العبادات لغير الله فهو من حزب الشيطان : " أَلاَ إِنَّ حِزْبَ
الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19) " سورة المجادلة .
|