|
حفظ اللسان عن الخصومة :
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :
" إن أبغض الرجال عند الله الألد الخصم " . رواه البخاري .
وقال أيضًا : " يوجب الجنة إطعام الطعام وحسن الكلام " رواه
الطبراني بإسناد جيد .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال : " الكلمة الطيبة صدقة " . رواه مسلم .
وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال
: " اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة " متفق عليه .
قال الغزالي رحمه الله : فالخصومة مبدأ كل شر وكذا المراء والجدل
فينبغي أن لا يفتح بابه إلا لضرورة ، وعند الضرورة ينبغي أن يحفظ اللسان والقلب عن
تبعات الخصومة وذلك متعذر جدًّا . ( الإحياء ) .
وقال عمر رضي الله عنه : البر شيء هين : وجه طليق وكلام لين .
وقال بعضهم : الكلام اللين يغسل الضغائن المستكنة في الجوارح .
حفظ اللسان عن السخرية والاستهزاء :
قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ
مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ
عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ (11) " سورة الحجرات .
والسخرية هي النظر إلى المسخور منه بعين النقص والاستهانة والتحقير
، والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه ، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في
الفعل والقول ، وقد يكون بالإشارة والإيماء .
ولم الاستهزاء من المؤمنين ؟ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -
: " رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين ، ولا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره " . متفق عليه
.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله لا ينظر إلى صوركم
وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " رواه مسلم .
والباعث على الاستهزاء هو الكبر كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم
- : " الكبر بطر الحق وغمط الناس " رواه أحمد ومسلم . وقال النبي - صلى الله عليه
وسلم - : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " . روه مسلم والترمذي
وقال : حسن صحيح .
حفظ اللسان عن إفشاء السر :
وهو ينقسم إلى قسمين : إفشاء سر النفس وإفشاء سر الغير ، وكلاهما
مذموم والأول أهون من الثاني .
أولاً : إفشاء سر الإنسان نفسه سبب من أسباب فشله وربما كان سببًا
في ذله لمن أفشى له سرًّا .
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : سرك أسيرك ، فإن تكلمت به صرت
أسيره .
وقال حكيم لابنه : يا بني كن جوادًا بالمال في موضع الحق ، ضنينًا
بالأسرار عن جميع الخلق ، فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر ، والبخل بمكتوم
السر .
وقال أنس بن أسيد :
ولا تفش سرك إلا إليك فإن لكل نصيح نصيحًا
فإني رأيت وشاة الرجـا ل لا يتركون أديمًا صحيحًا
وقال بعضهم :
إذا المرء أفشى سره بلسانه ولام عليه غيره
فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه فصدر الذي يستودع السر
أضيق
ثانيًا : إفشاء سر المسلم ، وهذا أخطر ؛ لأنه أمانة وإفشاؤه خيانة ،
والخيانة من علامات المنافق .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال : " آية المنافق ثلاث ؛ إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان " . متفق
عليه .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : " إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهو
أمانة " . رواه أبو داود والترمذي وحسنه .
وقال العباس لابنه عبد الله رضي الله عنهما : إني أرى هذا الرجل -
يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه - يقدمك على الأشياخ فاحفظ عني خمسًا : لا تفشين
له سرًّا ، ولا تغتابن عنده أحدًا ، ولا تجرين عليه كذبًا ، ولا تعصين له أمرًا ،
ولا يطلعن منك على خيانة . قال الشعبي : كل كلمة من هذه الخمس خير لي من ألف .
يروى أن معاوية رضي الله عنه أسرَّ إلى الوليد بن عتبة حديثًا .
فقال الوليد لأبيه : يا أبت إن أمير المؤمنين أسر إلي حديثًا ، وما أراه يطوي عنك
ما بسطه إلى غيرك ، فقال أبوه : لا تحدثني به يا بني فإن من كتم سره كان الخيار
إليه ، ومن أفشاه كان الخيار عليه ، فقال : يا أبت وإن هذا ليدخل بين الرجل وابنه ؟
فقال : لا والله يا بني ولكن أحب أن لا تذلل لسانك بأحاديث السر . قال الوليد فأتيت
معاوية فأخبرته فقال : يا وليد أعتقك أبوك من رق الخطأ .
ولقد أجاز بعض العلماء إفشاء سر الرجل بعد موته مستدلين بما ثبت في
الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجلس فاطمة رضي
الله عنها بجواره ثم سارها بشيء فبكت بكاءً شديدًا ، فلما رأى حزنها سارها الثانية
، فإذا هي تضحك ، فقلت لها :خصك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسر من بيننا
ثم أنت تبكين ، فلما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألتها عما سارها به ،
فقالت : ما كنت لأفشي على رسول الله سره . فلما توفي رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قالت لها : عزمت عليك بما لي عليك من حق لما أخبرتني ، قالت : أما الآن فنعم
فأخبرتني ، قالت : أما حين سرني في الأمر الأول فإنه أخبرني أن جبريل كان يعارضه
بالقرآن كل سنة مرة ، وأنه قد عارضني به العام مرتين ، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب
، فاتقي الله واصبري فإني نعم السلف أنا لك . قالت : فبكيت بكائي الذي رأيت ، فلما
رأى جزعي سارني بالثانية قال : " يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين
أو سيدة نساء هذه الأمة " . متفق عليه .
والحق أن إفشاء سر الرجل بعد موته فيه تفصيل فأحيانًا يكون مباحًا ،
وقد يستحب ذكره ولو كرهه صاحب السر كأن يكون فيه تزكية له من كرامة أو منقبة ،
وأحيانًا يجب كحق عليه تعذر القيام به فيذكره لمن يتسنى له القيام به . وأحيانًا
يكره وقد يحرم مثل ما كان به ضرر بصاحب السر أو بعشيرته من بعده .
حفظ اللسان عن الكذب :
عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال
: " عليكم بالصدق ؛ فإن الصدق يهدي إلى البر ، والبر يهدي إلى الجنة ، وما يزال
الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا ، وإياكم والكذب ، فإن الكذب
يهدي إلى الفجور ، والفجور يهدي إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى
يكتب عند الله كذابًا " . متفق عليه .
وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :
" أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا " . رواه أبو داود
والترمذي وحسنه ورواه البيهقي بسند حسن .
وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : حفظت من رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة ، والكذب ريبة
" . رواه الترمذي وقال : حسن صحيح .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قلنا يا نبي
الله ، من خير الناس ؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : " ذو القلب المخموم واللسان
الصادق " قلنا : فما القلب المخموم ؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : " التقي النقي ،
لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد " . رواه ابن ماجه بإسناد صحيح قاله المنذري .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال : " آية المنافق ثلاث ، إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان " . متفق
عليه . وزاد مسلم في رواية : " وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم " .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله
عليه وسلم - قال : " أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ، ومن كانت فيه خصلة منهن
كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر
، وإذا خاصم فجر " . متفق عليه .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال : " إذا كذب العبد تباعد الملك عنه ميلاً من نتن ما جاء به " . رواه الترمذي
وقال : حديث حسن غريب .
وعن هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :
" ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم :
شيخ زان ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر " .
ومن الناس من يكذب ليضحك الناس وإذا نهيته عن ذلك قال لك : إني أمزح
، فهذا وأمثاله قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ويل للذي يحدث
بالحديث ليضحك به القوم فيكذب ، ويل له ، ويل له " . رواه أبو داود والترمذي وحسنه
والنسائي والبيهقي .
ومن الناس من يكذب في رؤياه أو يقول رأيت في المنام كذا وكذا وهو لم
ير شيئًا ، وهذا إثمه عظيم وجرمه كبير ، فعن وائلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي
- صلى الله عليه وسلم - قال : " إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه ، أو
يري عينيه في المنام ما لم تريا ، أو يقول علي ما لم أقل " .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
" من أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا " . رواه البخاري .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال : " من كذب في حلمه كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعرتين ، وليس بعاقد بينهما
أبدًا " . رواه البخاري .
وأعظم الكذابين إثمًا وأكبرهم جرمًا أولئك الذين يكذبون على الله
ورسوله ، وأما الكذب على الله كتحليل ما حرم الله أو ما أحل الله .
قال تعالى : " وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ
الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (116) " سورة
النحل .
ويدخل في ذلك أيضًا أولئك الذين يتجرءون على الفتوى بدون علم ؛ فتجد
أحدهم يفتي في مسألة ما ، فإذا سألته عن الدليل من آية أو حديث تحير وتوقف وربما
قال لك : ( هذا مذهب فلان ) أو ( هذا رأي الجمهور ) أو ( إلى هذا ذهب بعض أهل العلم
) وأمثال هذه المصطلحات التي يؤتي بها إلا عند فقدان الحجة كما قال الشافعي رحمه
الله :
والعلم ما قيل فيه قال حدثنا وسوى ذلك وساوس الشيطان .
ولا تظن أن هذا دعوة منا لترك المذاهب والرمي بها ، كلا فإنها تراث
إسلامي باهر ، ولكن المقصود أن لا نأخذ مسألة إلا بعد معرفة دليلها من القرآن
والسنة والأئمة هم الذين أوصوا بذلك .
فقد قال أبو حنيفة رحمه الله : لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم
يعلم من أين أخذناه . ( صفة صلاة النبي ) .
قال مالك رحمه الله : إنما أنا بشر أخطئ وأصيب ، فانظروا في رأيي ؛
فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه ، وكل ما لا يوافق الكتاب والسنة فاتركوه . وقال
الشافعي رحمه : كل ما قلت فكان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف قولي مما يصح
، فحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى ، فلا تقلدوني . وقال أحمد رحمه الله :
لا تقلدوني ، ولا تقلدوا مالكًا ، ولا الشافعي ، ولا الأوزاعي ، ولا الثوري ، وخذ
من حيث أخذوا .
أما الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد ثبتت أحاديث
كثيرة تبين جزاءه ؛ فقد روى مسلم في مقدمة صحيحه في باب تغليظ الكذب على رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - عدة أحاديث منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي -
صلى الله عليه وسلم - قال : " من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار " .
وحديث علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا
تكذبوا عليّ ، فإنه من يكذب علي فليلج النار ".
وحديث المغيرة رضي الله عنه قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم -
يقول : " إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد ، من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من
النار " . متفق عليه .
وحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه مرفوعًا : " من حدث عني بحديث يرى
أنه كذب فهو أحد الكاذبين " وقد وافقه البخاري على تخريجها كلها ما عدا حديث سمرة
ثم انفرد البخاري عنه بعدة أحاديث منها " من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من
النار " ويكفيك أن تعرف هذه الأحاديث قد بلغت حد التواتر .
وبناء على ذلك لا يجوز لمسلم أن ينسب لرسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قولاً دون أن يتثبت من صحته .
ما يجوز من الكذب :
قال الغزالي رحمه الله : الكلام وسيلة إلى المقاصد ، فكل مقصود
محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعًا ، فالكذب فيه حرام ، وإن أمكن التوصل
إليه بالكذب ، ولم يمكن التوصل إليه بالصدق ، فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك
مباحًا ، وواجب إن كان المقصود واجبًا ، كما أن عصمة دم المسلم واجبة ، فمهما كان
في الصدق سفك دم امرئ مسلم قد اختفى من ظالم ، فالكذب فيه واجب ، ومهما كان لا يتم
مقصود الحرب ، أو إصلاح ذات البين ، أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب ،
فالكذب مباح ، إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن ؛ لأنه إذا فتح باب الكذب على
نفسه ، فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغني عنه ، إلى ما لا يقتصر على حد الضرورة .
فيكون الكذب حراما في الأصل إلا لضرورة .
قال : وكذلك كل ما كان له أو لغيره .
فأما له : فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله فله أن ينكره ، أو
يأخذه سلطان فيسأله عن فاحشة بين وبين الله تعالى ارتكبها ، فله أن ينكر ذلك ،
فيقول : ما زنيت وما سرقت . قال - صلى الله عليه وسلم - : " اجتنبوا هذه القاذورات
التي نهى الله عنها فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله " . رواه الحاكم بسند حسن
. وذلك لأن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى فللرجل أن يحفظ دمه الذي يؤخذ ظلمًا وعرضه
بلسانه وإن كان كاذبًا .
وأما ما لغيره : فبأن يسأل عن سر أخيه فله أن ينكره ، وأن يصلح بين
الضرات من نسائه بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه . ( الإحياء ) .
قال النووي : وكلام الغزالي هو أحسن ما رأيت في هذا الموضوع .
ويؤيد ما ذهب إليه الغزالي حديث أم كلثوم رضي الله عنها قالت : سمعت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ، فينمي
خيرًا أو يقول خيرًا " . متفق عليه .
وزاد مسلم في رواية : قالت أم كلثوم : ولم أسمعه يرخص في شيء مما
يقول الناس إلا في ثلاث ؛ تعني الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل لامرأته
وحديث المرأة زوجها .
حفظ اللسان عن الغيبة :
قال تعالى : " وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ
أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ (12) " سورة
الحجرات .
وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال
: " إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في
بلدكم هذا ، ألا هل بلغت " . متفق عليه .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال : " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " . رواه مسلم .
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال
: " من ذكر امرأ بشيء ليس فيه ليعيبه به حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاد ما
قاله فيه " . رواه الطبراني بإسناد جيد قاله المنذري .
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله أي
المسلمين أفضل ؟ قال : " من سلم المسلمون من لسانه ويده " . متفق عليه . وعن عبد
الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : "
المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه " . رواه
البخاري .
وعن أبي برزة رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - حتى أسمع العواتق في بيوتهن قال : " يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بلقبه
لا تغتابوا المسلمين ، ولا تتبعوا عوراتهم ؛ فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته
، ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته " . رواه أبو داود بإسناد جيد قاله الحافظ
العراقي .
ولما رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( ماعزًا ) في الزنا قال
رجل لصاحبه : هذا رُجِم رَجْم الكلب ، فمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهما
معه بجيفة فقال : " انهشا منها " فقالا : ننهش جيفة ؟ فقال : " ما أصبتما من أخيكم
أنتن من هذه " . رواه أبو داود والنسائي بسند جيد .
وقال الحسن البصري : والله للغيبة أسرع في دين الرجل من الأكلة في
الجسد .
وقال الحسن أيضًا : يا بن آدم إنك لن تصيب حقيقة الإيمان حتى لا
تعيب الناس بعيب هو فيك ، حتى تبدأ بصلاح ذلك العيب فتصلحه من نفسك ، فإذا فعلت ذلك
كان شغلك في خاصة نفسك ، وأحب العباد إلى الله من كان هكذا .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : عليكم بذكر الله فإنه شفاء ،
وإياكم وذكر الناس فإنه داء .
وذكر الإمام مالك رحمه الله أن عيسى بن مريم عليه السلام قال : " لا
تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا
تعلمون ، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب ، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد ،
فإنما الناس مبتلى ومعافى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية " . (
الموطأ ) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال : " أتدرون من المفلس ؟ " قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، قال -
صلى الله عليه وسلم - : " المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة
ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطى هذا
من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم
فطرحت عليه ثم طرح في النار " .
وروي عن الحسن البصري رحمه الله أن رجلاً قال : إن فلانًا قد اغتابك
، فبعث إليه الحسن رطبًا على طبق ، وقال : قد بلغني أنك قد أهديت إلي من حسناتك ،
فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر أن أكافئك على التمام .
ولكن ما الغيبة ؟
لقد عرفها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله : " أتدرون ما
الغيبة ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم قال : " ذكرك أخاك بما يكره " ، قيل : أفرأيت
إن كان في أخي ما أقول ؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : " إن كان فيه ما تقول فقد
اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " . رواه مسلم والترمذي وقال : حسن صحيح
.
قال الغزالي رحمه الله : اعلم أن حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه
لو بلغه سواء ذكرته بنقص في بدنه أو نسبه أو في خلقه ، أو في فعله ، أو قوله ، أو
في دينه ، أو في دنياه ، حتى في ثوبه ، وداره ، ودابته .
أما في البدن : فذكرك العمش والحول والقرع ، والقصر والطول ،
والسواد والصفرة ، وجميع ما يتصور أن يوصف بما يكرهه كيفما يشاء .
وأما النسب : فبأن يقول أبوه نبطي أو هندي ، أو فاسق أو خسيس ، أو
إسكافي أو زبال ، أو شيء مما يكرهه كيف كان .
وأما الخلق : فبأن تقول هو سيئ الخلق أو بخيل أو متكبر مراء ، أو
شديد الغضب أو جبان عاجز ، أو ضعيف القلب أو متهور ، أو ما يجري مجراه .
وأما في أفعاله المتعقلة بالدين : فكقولك هو سارق ، أو كذاب ، أو
شارب خمر ، أو خائن ، أو ظالم ، أو متهاون بالصلاة ، أو الزكاة ، أو لا يحسن الركوع
أو السجود ، أو لا يحترز من النجاسات ، أو ليس بارًّا بوالديه ، أو لا يضع الزكاة
موضعها ، أو لا يحسن قسمتها ، أو لا يصون صومه عن الرفث والغيبة والتعرض لأعراض
الناس .
وأما فعله المتعلق بالدنيا : فكقولك إنه قليل الأدب ، متهاون بالناس
، أو لا يرى لأحد على نفسه حقًّا ، أو يرى لنفسه الحق على الناس ، وأنه كثير الكلام
، كثير الأكل ، نئوم ، نيام في غير وقت النوم ، ويجلس في غير موضعه .
وأما ثوبه : فكقولك إنه واسع الكم ، طويل الذيل ، وسخ الثياب . (
الإحياء ) .
ما يباح من الغيبة :
قال النووي رحمه الله : اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح وشرعي لا
يمكن الوصول إليه إلا بها ، وهو بستة أسباب :
الأول : التظلم ، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي
وغيرهما بمن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه فيقول : ظلمني فلان بكذا .
الثاني : الاستعانة على تغيير المنكر ، ورد العاصي إلى الصواب ،
فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر إن لم يقصد ذلك كان حرامًا .
الثالث : الاستفتاء فيقول للمفتي : ظلمني أبي أو أخي أو زوجي ، أو
فلان بكذا ، فهل له ذلك ؟ وما طرقي في الخلاص منه ، وتحصيل حقي ، ودفع الظلم ، ونحو
ذلك ؟ فهذا جائز للحاجة ، ولكن الأحوط والأفضل أن يقول : ما تقول في رجل أو شخص أو
زوج كان من أمره كذا فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين ، ومع ذلك فالتعيين جائز كما
سنذكره في حديث هند إن شاء الله تعالى .
الرابع : تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم ، وذلك من وجوه ؛ منها
جرح المجروحين من الرواة ، والشهود ، وذلك جائز بإجماع المسلمين ، بل واجب ، ومنها
المشاورة في مصاهرة إنسان ، أو مشاركته ، أو إيداعه ، أو معاملته ، أو غير ذلك .
ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله ، بل يذكر المساوئ التي فيه بنية
النصيحة ، ومنها إذا رأى متفقها يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم ، وخاف أن
يتضرر المتفقه بذلك ، فعليه نصيحته ببيان حاله بشرط أن يقصد النصيحة ، وهذا مما
يغلط فيه ، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد ، ويلبس الشيطان عليه ذلك ، ويخيل إليه
أنها نصيحة ، فليتفطن لذلك . ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها ، إما
بأن لا يكون صالحًا لها ، وإما بأن يكون فاسقًا أو مغفلاً ، ونحو ذلك ، فيجب ذكر
ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله ويولي من يصلح ، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى
حاله ولا يغتر به ، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة أو يستبدل به .
عن عائشة رضي الله عنها : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "
ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا " رواه البخاري .
قال : قال الليث بن سعد أحد رواة الحديث : هذان الرجلان كانا من
المنافقين .
وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت : أتيت النبي - صلى الله عليه
وسلم - فقلت : إن أبا جهم ومعاوية خطباني ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
: " أما معاوية فصعلوك (أي : فقير ) لا مال له ، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن
عاتقه " . وفي رواية لمسلم : " وأما أبو الجهم فضراب للنساء " وهو تفسير لرواية "
لا يضع العصا عن عاتقه " وقيل معناه كثير الأسفار .
وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - في سفر أصاب الناس فيه شدة ، فقال عبد الله بن أبي : لا تنفقوا على من
عند رسول الله حتى ينفضوا ، وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل
، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته بذلك ، فأرسل إلى عبد الله بن
أبي فاجتهد يمينه ما فعل ، فقالوا : كذب زيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوقع
في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله تصديق ذلك " إذا جاءك المنافقون …" ثم دعاهم
النبي - صلى الله عليه وسلم - فلووا رؤوسهم .
وعن عائشة رضي الله عنهم قالت : قالت هند امرأة أبي سفيان للنبي -
صلى الله عليه وسلم - : إن أبا سفيان رجل شحيح ، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا
ما أخذت منه وهو لا يعلم ، فقال : " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " . ( رواه
البخاري ) . كلام النووي رحمه الله .
حفظ اللسان من النميمة :
والنميمة : هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد .
ولقد حذرنا الله من النمام فقال : " وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ
مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) " سورة القلم . أي الذي يمشي بين
الناس بالنميمة .
وعن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
: " لا يدخل الجنة نمام " . متفق عليه .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر
بقبرين يعذبان ، فقال : " إنهما يعذبان ، وما يعذبان في كبير ، بلى إنه كبير : أما
أحدهما فكان يمشي بين الناس بالنميمة ، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله " . متفق
عليه .
واعلم أن النمام مفش للسر ، هاتك للستر ، مفرق للأحبة ، ولذلك إذا
حمل إليك أحد نميمة فعليك بستة أمور :
الأول : أن لا تصدق ؛ لأن النمام فاسق ، وهو مردود الشهادة ، قال
تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ
فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا
فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (3) " سورة الحجرات .
الثاني : أن تنهاه عن ذلك وتنصحه وتبين له قبح فعله ، قال تعالى : "
وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ (17) " سورة لقمان .
الثالث : أن تبغضه في الله ؛ لأن الله يبغض النمام .
الرابع : أن لا تظن بأخيك الغائب سوءًا ؛ قال تعالى : " يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ
الظَّنِّ إِثْمٌ (12) " سورة الحجرات .
الخامس : أن لا يحملك ما حكي لك على التجسس والتحقيق من صحة ما يقول
لقوله تعالى : " وَلاَ تَجَسَّسُوا (12) " سورة الحجرات .
السادس : أن لا تنقل ما قاله لك إلى غيرك ، فتقول مثلاً : قال لي
فلان كذا وكذا ؛ لأنك بذلك تصبح نمامًا .
وروي أن عمر بن عبد العزيز دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئًا ،
فقال له عمر : إن شئت نظرنا في أمرك ، فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية " إِن
جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا (3) " سورة الحجرات ، وإن كنت صادقًا
فأنت من أهل هذه الآية " هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) " سورة القلم ، وإن شئت
عفونا عنك ، فقال : العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدًا .
وقال رجل لعمرو بن عبيد : إن فلانًا يذكرك بسوء ، فقال له عمرو : يا
هذا ، ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه ، ولا أديت حقي حيث أعلمتني عن
أخي ما أكره ، ولكن أعلمه أن الموت يعمنا ، والقبر يضمنا ، والقيامة تجمعنا ، والله
يحكم بيننا وهو خير الحاكمين .
ورفع بعض السعاة إلى الصاحب بن عباد رقعة نبه فيها على مال يتيم
يحمله على أخذه لكثرته ، فوقع الصاحب بن عباد على ظهر الرقعة قائلاً : السعاية
قبيحة ، وإن كانت صحيحة ، فإن كنت أجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها أفضل من الربح ،
معاذ الله أن نقبل مهتوكًا في مستور ، ولولا أنك في خفارة شيبتك ، لقابلناك بما
يقتضيه فعلك في مثلك ، فتوق يا ملعون العيب ، فإن الله أعلم بالغيب ، الميت رحمه
الله ، واليتيم جبره الله ، والمال ثمَّره الله ، والساعي لعنه الله .
ولكي ترى نتائج الغيبة في الفتك بالمجتمع المسلم اسمع هذه القصة :
قال حماد بن سلمة : باع رجل عبدًا وقال للمشتري : ما فيه عيب إلا
النميمة ، قال : قد رضيت ، فاشتراه ، فمكث الغلام أيامًا ثم قال لزوجة مولاه : إن
سيدي لا يحبك ، وهو يريد أن يتسرى عليك ، فخذي الموسى واحلقي من شعر قفاه عند نومه
شعرات حتى أسحره عليها ، فيحبك ، ثم قال للزوج : إن امرأتك اتخذت خليلاً وتريد أن
تقتلك ، فتناوم لها حتى تعرف ذلك ، فتناوم لها ، فجاءت المرأة بالموسى ، فظن أنها
تريد قتله ، فقام إليها فقتلها ، فجاء أهل المرأة فقتلوا الزوج ، ووقع القتال بين
القبيلتين .
نسأل الله أن يطهر مجتمعاتنا من النمامين والمغتابين بمنَّه وكرمه .
حفظ اللسان من خصلة ذي اللسانين :
وهو نقل الحديث من جهتين وهو أشر من النميمة ؛ لأنها نقل الحديث من
جهة واحدة .
وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال
: " من كان له وجهان في الدنيا كان له لسانان من نار يوم القيامة " . رواه البخاري
في الأدب المفرد ، وأبو داود وقال الحافظ العراقي : سنده حسن .
وعن محمد بن زيد أن أناسًا قالوا لجده عبد الله بن عمر : إنا لندخل
على سلطان فنقول بخلاف ما نتكلم به إذا خرجنا من عنده ، فقال : كنا نعد ذلك نفاقًا
على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . رواه البخاري .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال : " تجدون شر الناس ذا الوجهين ؛ الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه " . متفق
عليه .
وقال بشار بن برد :
خير إخوانك المشارك في المر وأين المشارك في المر أينا
الذي إن شهدت سرك في الحي وإن غبت كان أذنا وعينا
مثل سر الياقوت إن مسه النار جلاه البلاء فازداد زينا
أنت في معشر إذا غبت عنهم بدلوا كل ما يزينك شينا
وإذا ما رأوك قالوا جميعًا أنت من أكرم البرايا علينا
ما رأى الأنام ودًّا صحيحًا صار ود الأنام زورًا ومينا
حفظ اللسان عن التحدث بما كان بينك وبين زوجتك :
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- قال : " إن من أشر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي
إليه ثم ينشر سرها " .
حفظ اللسان عن الغناء :
قال تعالى : " وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ
لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ (6) " سورة لقمان .
وقال تعالى : " أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59)
وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ (60) وَأَنتُمْ سَامِدُونَ (61) " سورة البقرة .
قال ابن عباس : السمد هو الغناء بلغة حِمْيَر .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ليكونن في أمتي أقوام
يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف " . رواه البخاري .
وقال تعالى في وصف عباد الرحمن : " وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ
الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) " سورة الفرقان .
قال محمد بن الحنفية : الزور هنا الغناء .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه : الغناء ينبت النفاق في القلب كما
ينبت الماء الزرع ، وقال يزيد بن الوليد : إياكم والغناء ؛ فإنه ينقص الحياء ،
ويزيد الشهوة ، ويهدم المروءة ، وإنه لينوب عن الخمر ، ويفعل ما يفعله السكر ، وقيل
: الغناء رائد الفجور .
ولقد أجمع من اعتد بقولهم على تحريم الغناء .
قال أبو حنيفة : الاستماع إلى الأغاني فسق .
وقال مالك : عندما سئل عن الغناء قال : إنما يفعله الفساق .
وقال الشافعي : الغناء لهو مكروه ، ويشبه الباطل والمحال ، ومن
استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته .
قال أحمد بن حنبل : الغناء ينبت النفاق في القلب ولا يعجبني .
فهذا إجماع من الأئمة الأربعة على تحريمه ، وفي هذا مقنع لمن يريد
الحق ويتلمسه .
قال تعالى للشيطان : " وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم
بِصَوْتِكَ (64) " سورة الإسراء .
قال مجاهد : صوت الشيطان الغناء .
وعن أنس رضي الله عنه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :
" ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ ، وذلك إذا شربوا الخمور ، واتخذوا القينات ،
وضربوا بالمعازف " . رواه ابن أبي الدنيا وصححه الألباني بطرقه في صحيح الجامع .
والقينات : المغنيات .
المعازف : آلات الطرب بأنواعها .
وعن معاوية رضي الله عنه قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- عن النوح والتصاوير ، وجلود السباع ، والتبرج ، والغناء ، والذهب ، والخز ،
والحرير . رواه أحمد وصححه الألباني .
وروى ابن ماجه عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - : " ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ،
يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات ، يخسف الله بهم الأرض قردة وخنازير " . قال
ابن القيم : إسناده صحيح .
حفظ اللسان عن شهادة الزور :
قال تعال " وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) " سورة الحج .
وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال
: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا ؟ " قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : "
الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئًا فجلس فقال : " ألا وقول الزور ،
وشهادة الزور " ، فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت . متفق عليه .
حفظ اللسان عن المن بالعطية :
قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا
صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى …(264) " سورة البقرة .
عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : "
ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ، ولا ينظر إليهم ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم
" ، فقرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات ، قال أبو ذر : خابوا
وخسروا من هم يا رسول الله ؟ قال : " المسبل ، والمنان ، والمنفق سلعته بالحلف
الكاذب " . رواه مسلم ، والترمذي ، والنسائي .
حفظ اللسان عن إنشاد الضالة في المسجد :
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : "
من سمع رجلاً ينشد الضالة في المسجد ، فليقل : لا ردها الله عليك ، فإن المساجد لم
تبن لهذا " . رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه والدارمي .
و" ينشد الضالة " : ينادي على شيء ضائع .
حفظ اللسان عن تسويد الفاسق والمبتدع والمنافق :
اعلم أن المسلم لا يجوز له أن يقول للمنافق يا سيدي سواء بالنطق أو
بالكتابة كمن يكتب : السيد المحترم فلان ، ولو كان ذلك المنافق رئيسًا أو وزيرًا أو
ملكًا .
عن بريدة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
: " لا تقولوا للمنافق سيد ، فإنه إن يك سيدًا فقد أسخطتم ربكم عز وجل " . رواه أبو
داود والنسائي وقال الحافظ المنذري : إسناده صحيح .
حفظ اللسان عن عيب الطعام :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " ما عاب رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - طعامًا قط ؛ إن اشتهاه أكله ، وإن كرهه تركه " . متفق عليه .
وعن جابر رضي الله عنه " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل أهله
الإدام ، فقالوا : ما عندنا إلا خل ، فدعا به ، فجعل يأكل ويقول : " نعم الإدام
الخل ، نعم الإدام الخل " . رواه مسلم .
حفظ اللسان عن النجوى :
قال تعالى : " إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ (10) " سورة
المجادلة .
عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال
: " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك
يحزنه " . متفق عليه .
|