حكم الساحر شرعاً

قال القرطبي رحمه الله تعالى :

اختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم والذمي فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرًا يقتل ولا يستتاب ، ولا تقبل توبته لأنه أمر يستتر به كالزنديق والزاني ، ولأن الله تعالى سمى السحر كفرًا بقوله : " وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ " .

وهو قول أحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق والشافعي وأبي حنيفة . ( تفسير القرطبي ) .

ملحوظة : المشهور عن الشافعي أنه لا يرى قتل الساحر بمجرد السحر ، وإنما يقتل قصاصًا إن قتل بسحره ونقله عنه ابن المنذر وغيره .

وقال ابن المنذر رحمه الله تعالى :

إذا أقر الرجل بأنه سحر بكلام يكون كفرًا وجب قتله إن لم يتب ، وكذلك لو ثبتت به عليه بينة ووصفت البينة كلامًا يكون كفرًا .

وإن كان الكلام الذي ذكر أنه سحر به ليس بكفر لم يجز قتله ، فإن كان أحدث في المسحور جناية توجب القصاص اقتص منه إن كان عمد ذلك ، وإن كان مما لا قصاص فيه ففيه دية ذلك .

( نقلاً عن تفسير القرطبي ) .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى :

وقد استدل بقوله تعالى : " وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ..." من ذهب إلى تكفير الساحر كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف ، وقيل : بل لا يكفر ولكنه حده ضرب عنقه لما رواه الشافعي وأحمد قالا : أخبرنا سفيان - هو ابن عيينة - عن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة بن عبدة يقول : كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة ، قال : فقتلنا ثلاث سواحر .

قال : وقد أخرجه البخاري في صحيحه . ( وإخراج البخاري دون ذكر قصة السواحر ) .

قال : وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها فأمرت بها فقتلت .

قال الإمام أحمد : صح عن ثلاثة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتل الساحر .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :

وعند مالك أن حكم الساحر حكم الزنديق فلا تقبل توبته ، ويقتل حدًّا إذا ثبت عليه ذلك ، وبه قال أحمد . وقال الشافعي : لا يقتل إلا إن اعترف أنه قتل بسحره فيقتل به . ( فتح الباري ) .

الخلاصة :

ويتضح مما مر أن جمهور العلماء يقولون بقتل الساحر إلا الشافعي - رحمه الله - فيقول : لا يقتل إلا إذا قتل بسحره فيقتل قصاصًا .

هذا بالنسبة لحكم من اشتغل بالسحر من المسلمين ،

أما بالنسبة لحكم ساحر أهل الكتاب فيقول ابن قدامة رحمه الله تعالى :

قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : يقتل لعموم الأخبار ، ولأن السحر جناية أوجبت قتل المسلم ، فأوجبت قتل الذمي كالقتل . ( المغني ) .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : قال مالك رحمه الله تعالى :

لا يقتل ساحر أهل الكتاب إلا أن يقتل بسحره فيقتل ، وقال أيضًا : إن أدخل بسحره ضررًا على مسلم لم يعاهد عليه نقض العهد بذلك فيحل قتله ، وإنما لم يقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - لبيد بن الأعصم لأنه كان لا ينتقم لنفسه ، ولأنه خشي إذا قتله أن تثور بذلك فتنة بين المسلمين وبين حلفائه من الأنصار . ( فتح الباري ) .

قال الشافعي رحمه الله تعالى :

لا يقتل ساحر أهل الكتاب إلا أن يقتل بسحره فيقتل . ( فتح الباري ) .

قال ابن قدامة رحمه الله تعالى :

فأما ساحر أهل الكتاب فلا يقتل لسحره إلا أن يقتل به ، وهو مما يقتل به غالبًا فيقتل قصاصًا ؛ لما ثبت أن لبيد بن الأعصم سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يقتله ، ولأن الشرك أعظم من سحره ولا يقتل به .

قال : والأخبار وردت في ساحر المسلمين لأنه يكفر بسحره ، وهذا كافر أصلي ، وقياسهم ينقض باعتقاد الكفر والمتكلم به ، وينتقض بالزنا من المحصن فإنه لا يقتل به الذمي عندهم ويقتل به المسلم ، والله أعلم . ( المغني ) .