|
قال القرطبي رحمه الله تعالى :
ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة ، وذهب عامة المعتزلة
وأبو إسحاق الإسترابادي من أصحاب الشافعي إلى أن السحر لا حقيقة له ، وإنما هو
تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به ، وأنه ضرب من الخفة والشعوذة كما
قال تعالى : " يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى " ، ولم يقل
تسعى على الحقيقة ولكن قال : " يُخَيَّلُ إِلَيْهِ " ، وقال أيضًا : " سَحَرُوا
أَعْيُنَ النَّاسِ " .
قال : وهذا لا حجة فيه ؛ لأننا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من
جملة السحر ، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوزها العقل وورد بها السمع ؛ فمن ذلك ما جاء
في هذه الآية من ذكر السحر وتعليمه ، ولم لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه ، ولا
أخبر تعالى أنهم يعلمونه للناس فدل على أنه حقيقة .
وقوله تعالى في قصة سحرة فرعون : " وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ " ،
وسورة الفلق مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لبيد بن الأعصم ،
وهو مما خرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت : سحر رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم ... الحديث ،
وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لما حل السحر : " إن الله شفاني " ،
والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض ، فدل على أن له حقًّا وحقيقة ، فهو
مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه ، وعلى هذا أهل الحل والعقد
الذين ينعقد بهم الإجماع ، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق
.
قال : ولقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان وتكلم الناس فيه ، ولم
يبد من الصحابة ولا التابعين إنكار لأصله . ( تفسير القرطبي ) .
|